إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-26-2011, 12:15 PM   #1
بهاء الالوسي
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Jul 2011
المشاركات: 498
معدل تقييم المستوى: 7
بهاء الالوسي is on a distinguished road
افتراضي الحقائق والرقائق2

رقيقة: سمعتُ أبا محمد عبد الله بن عبد الواحد المجاطي يقول: رويتُ بالسند الصحيح أن عابداً رابط ببعض الثغور مدة، فكان كلما طلع الفجر سمع صوتاً دون أن يرى شخصاً:
لولا رجالٌ لهم سردٌ يصومونا
لزلزلت أرضكُم من تحتكم سَحَراً
وآخرونَ لهم وردٌ يقومونا
لأنكم قوم سوء لا تبالونا

حقيقة: قلتُ لقلبي: كيف تجدك ؟ فقال: أما من أمَّارتك ففي عناء الجهاد، وأما من لوامتك فعلى جمر الصبر.
فقلتُ: فمتى الراحة ؟ فقال: إذا اطمأنت النفس فغبت عن الوهم والحس.

رقيقة: لما حنكت الطينة بتمر الجنة، وغذيت بلبانها فطرت على محبتها، انظروا إلى حب الأنصار التمر، فلم تطق الفطام عنها، " وتأبى الطِّبَاعُ على الناقلِ ".
فذاك ما تجد من الحنين إلى التلاق، والأنين على الفراق، والشغف بمدح الغابر وذم العابر، وفي ذلك:
كَمْ أردنا ذاك الزمانَ بمدحٍ فَشُغلنَا بذَمِّ هذا الزَّمانِ
وإن لم نعرف عصراً خالياً ولا خلاً نائياً، بل لم يمر عليك مما تشتهيه أطيب مما أنت فيه:
كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبداً لأول منزل

حقيقة: واقع فقير هناة، ثم دخل خلوته، فبدت له نفسه بوجه مومسة، فقال: من أنت ؟ قالت: أم الحياة، فقال: ما أجمل بك أن تبدلي بتائك همزة، فقالت: إذا لم تصنع ما شئت، فانتبه لقرع العتاب فتاب.

رقيقة: دخلتُ على عبد الرحمن بن عفان الجزولي، وهو يجودُ بنفسه، وكنتُ قد رأيته بقرب ذلك معافىً، فقلتُ: أي، فسألته عن السبب ؟ فأخبرني بأنه خرج إلى لقاء السلطان، فسقط عن دابته، فتداعت أركانه، فقلتُ: ما حملك أن تتكلف مثل هذا في ارتفاع سنك ؟ فقال: حب الرياسة آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين.
ففكرتُ في قوله، فوجدتُ أن الله عز وجل لما ابتدأ أمر آدم بأن أسجد له الملائكة ((فإذا سويته ونفختُ فيه من روحي فقعوا له ساجدين))، والسجود أكبر تحيات الملوك، ((ورفع أبويه على العرش وخروا له سجداً)) سرت الرياسة في طينته سريان الروح في الجسد، ثم جرت في نفوس ذريته مجرى الدم من العروق، فكانت آخر ما ينزع منها وينزح عنها.

حقيقة: قال لي محمد بن محمد بن مَرزُوق: قال لي بعض أصحاب أبي إسحاق الطيار دفين العباد بتلمسان: إن أبا إسحاق أقم خمساً وعشرين سنة لا ينام إلا قاعداً.
قلتُ: تعود الجلوس إلى الملك حتى تدرب على الأدب، ولو كتب اسمه في الجامكية ما اعتاده وغلبه النوم.

رقيقة: سألتُ ابن مرزوق: ولم لقب بالطيار ؟ فحدثني أنه نشر ذات يوم ثوبه في الشمس على بعض السطوح، ثم قعد هنالك، فمرَّ به رجل فقال له: طر، قال: عن أمرك ؟ قال: نعم، فطار حتى وقع على الأرض وما به من بأس.
قلتُ: إذا صار الحق للعبد سمعاً وبصراً، فسمع به وأبصر أصاخ إلى الأحوال، واجتلى المعاني، فيرى غير مبصر ويسمع غير ناطق، كما قال الشيخ أبو عبد الله الشوذي الحلوي دفين تلمسان:

إذا نطقَ الوجودُ أصاخَ قومٌ
وذاك النطقُ ليس له انعجامٌ
فكنْ فطناً تُنَادَى من قريبٍ
بآذانٍ إلى نُطقِ الوُجود
ولكن دقَّ عن فَهمِ البليد
ولا تكُ ممن ينادى من بعيد


حقيقة: قيل: عرَّض الكليم بطلب القوت في رحلة الهجرة: ((إني لما أنزلت إليّ من خير فقير))، فحمل على كاهل: ((إن أبي يدعوك))، وصرح في سفر التأديب: ((لو شئت لاتخذت عليه أجراً)) فحمل على كاهل: ((هذا فراق بيني وبينك)).
قلتُ: لما تمحضَ الطلب اكتفى، فلما تعلق حق الغير به وفى، ولذلك قضى أبا المرأتين أبعد الأجلين.

رقيقة: كان خرق السفينة إراءة لكرامة: ((فاقذفيه في اليم))، في مرآة: ((وكان وراءهم ملك))، وربما صحّت الأجسامُ بالعلل، وقتلُ الغلام إشارةٌ إلى اشتمال فتنةِ: ((فقضى عليه))على رحمة: ((فنجيناك من الغم))، برمز: ((فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً))، والمحنُ الصمُّ حبائلُ المنح، وإقامةُ الجدارِ إشارةٌ لفتوة: ((فسقى لهما))، ليخفض له جناح: ((إني لما أنزلت إلي من خير فقير))، فيستظل من حرور: ((لو شئت لاتخذت عليه أجراً))، وفي تيه: ((هذا فراق بيني وبينك)) ((وما فعلته عن أمري)).

حقيقة: قيل لمحمد بن الحسن الزبيدي التونسي وأنا عنده بها: كيف لم يصبر الكليم وقد ناط الصبر بالمشيئة ((ستجدني إن شاء الله صابراً)) وقد جاء في الصحيح في قصة سليمان عليه السلام: ((لو قال إن شاء الله لكان كما قال))، والمقام الموسوي أجل ((واصطنعتك لنفسي))، وطلابه أفضل ((ما جميع أعمال البر والجهاد في طلب العلم إلا كبصقة في البحر)) ؟
فقال: كان موسى على علم من علم الله وهو علم المعاملة، لا يعلمه الخضر، وكان الخضر على علم من علم الله لا يعلمه موسى، فلم يظن أنَّ مما لم يحط به خبراً ما يأباه حكم الظاهر، وإلا فكيف يلتزم الصبر عليه وقد أُمر بصرف الإنكار إليه ؟ ((ما منعك إذ رأيتهم ضلوا))، بل لم يعتد مثله من ملاقاة المشاق فيما كان عليه الخضر من اختراق الآفاق وركوب الطباق، فما علقه بقوله فقد صدقته بفعله، وما لم يستطع عليه صبراً فلم يدخل في التزامه اعتقاداً ولا ذكراً.

رقيقة: ألفيتُ لعبد الحق الإشبيلي بيتاً هو أفضل من قصيدة:
قد يساق المراد وهو بعيد ويرد المراد وهو قريب
ومن أراد أن يعرف قدر هذا الترتيب فليتل قول الله تعالى: ((الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب)).

حقيقة: حدِّثتُ بمصر أن عمر بن الفارض أُولع بجملٍ فكان يستأجره من صاحبه ليستأنس به، فقيل له: لو اشتريته، فقال: المحبوب لا يملك.
فقلتُ: في أي حال كان هذا منه ؟
فقيل لي: في بداية أمره.
فقلتُ: وجه اعتبار ((أفلا ينظرون)) إليه فوقفت به رؤية المعنى فيه عليه، فأحبه مدلاً وطلبه مجلاً.

رقيقة: لصاحب الوقت يومان:
يوم بأرواح يباع ويشترى وأخوه ليس يسام فيه بدرهم
وفصّل الفضل بينهما:
وما تفضل الأيام أخرى بذاتها ولكنّ أيام الملاح ملاح

حقيقة: قال المريد: الوقت سيف، وقال الواصل: بل مقتٌ، فتلا العارف: ((قل الله ثم ذرهم في خوضهم يعلبون)).

رقيقة: أنشدني أبو محمد المجاصي، قال: أنشدني شرف الدين الدمياطي، قال: أنشدني تاج الدين الأُرموي، قال: أنشدني فخر الدين محمد بن عمر الرازي لنفسه:
نهايةُ إقدامِ العقول عقالُ
وأرواحُنا في وَحشةٍ من جُسومِنا
ولم نستفدْ من بحثنا طولَ عمرنا
كم رجال قد رأينا ودولة
وكم من جبال قد علتْ شرفاتها
وأكثرُ سَعْيِ العالمينَ ضلالُ
وحاصلُ دنيانا أذىً ووَبالُ
سوى أن جمعنا فيه قيلَ وقالوا
فبادوا جميعاً مسرعين وزالوا
رجالٌ فماتوا والجبالُ جبالُ


حقيقة: قلت للسر: ما لك تحس من خلف الموانع ؟ فقال: خرق شعاعي سور العوائق ثم انعكس إليّ بصورة العوائق، فأصبحت كما قيل:
كأنَّ مرآةَ عيِن الدَّهرِ في يده يَرى بها غائبَ الأشياءِ لم يغبِ

رقيقة: حفظتُ من خط الشيخ أبي يزيد القابسي والد صحابنا أبي الحسن: قيل للغزالي: ما تقول في الحلاج ؟ فقال: وما عسى أن أقول فيمن شرب بكأس الصفاء، على بساط الوفاء، فسكر فعربد، فاستوجب من الله تعالى الحد، فكان حدّه شهادة.

حقيقة: عربد الحلاج في الحضرة لما فشا بسكره سر أمره، فانتصر الظاهر لنفسه لصحة تعلق اسمه، وسدل الباطن على عذره حجاب الغيرة من إفشاء سره ثم قلتُ:
على سمة الأسماء تجري أمورهم وحكمة وصف الذات في الحكم أجرت

رقيقة: فضّ الخاتم عن الدن قبل عرفان عَرف الخمر، فانتشى للنشا وانتك للنكهة، فاختلس عقله وما شرب، ليته خلل شعره ثم صب.

حقيقة: أشرف أسمائك ما أضافك إليه، وأكرم صفاتك ما دلك منك عليه
لا تدعني إلا بيا عبدها
ولا تصفني بالهوى عندها فإنه أشرف أسمائي
فعندها تحقيق أنبائي

رقيقة: سمعتُ شيخنا بالقدس يقول: تجلى الله تعالى بالمسجد الأقصى بالجمال، وعلى المسجد الحرام بالجلال، وعلى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالكمال.
قلتُ: فذلك يوقف النواظر، وذلك يملأ الخواطر، وهذا يفتح البصائر.

حقيقة: إذا قابل إبرة القلب مغناطيس الحب صبا فانجذب، فإذا اجتمعا عشي فانقطع، فإذا اتدا فني فبقي، حاشى للصوفي أن يموت.

رقيقة: أخبرني أمير المؤمنين المتوكل أن جده أمير المسلمين أبا سعيد رحمه الله تعالى سأل كاتبه عبد المهيمن الحضرمي عن تهادي أهل الحب للتفاح دون الخوخ، وكلاهما حسن المنظر طيب المخبر شديد الشبه بأخيه، شديد تشبيه الوجنات به لمتوخيه؟
فقال: من عند مولانا.
فقال: أرى ذلك لاشتمال التفاح على الحَبّ الذي يذكر بالحب، ولاشتمال الخوخ على النوى الذي يكدر اسمه صفو الهوى.

حقيقة: العمل رياش، والحسن صورة، والملاحة روح، فذلك ستره عليك، وذلك عنايته بك، وهذا سره فيك.

رقيقة: أعطي يوسف شطر الحسن، أي حسن آدم، لأنه إن لم يكن في الإمكان أبدع مما كان، فقد خلقه الحق بيده في أحسن تقويم، ثم نفخ فيه من روحه، لتتم علة سجود التحية والتكريم، فكان كما قال من أنزل عليه الفرقان: ((خلق آدم على صورة الرحمن)) فآدم إذن كمال الحسن، وإلا فهو المراد، لأن الشطر يقتضي الحصر، والصنف ينزع الوصف.
وأعطي محمد صلى الله عليه وسلم كمال الجمال، فما أبصره أحد إلا هابه، وتمام الملاحة فما عرفه شخص إلا أحبه، مع إنباء نوره في الآباء بأن أبوة المعنى لسيد نجباء الأبناء كمال، قال العارف عمر:
وإني وإن كنتُ ابن آدم صورة فلي فيه معنى شاهد بأبوتي

حقيقة: خوف من لم يفر خَوَرٌ وذلك الجبن، ((من خاف أدلج))، ورجاء من لم يكر تمنٍّ وتلك الزمانة، ((يا ليتني كنتُ معهم)).

رقيقة: سمع ابن شاطرٍ سائلاً يقول: الجنة رخيصة، فقال: كيف تكون رخيصة والله عز وجل يقول: ((إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة)) ؟
قلتُ: ما الأنفس والأموال في جنب ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ؟ ولا سيما وفوق هذا الحسنى وزيادة الإكرام بالنظر والرضاء ؟!

حقيقة: لا يثنيك الخوف عن قرع الباب فتيأس، فإنه ((لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون)).
ولا يدنيك الرجاء من الفترة فتأمن، فإنه ((لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون)).
فإن لم تستطع بعد الحرص أن تدخل فلا تمل كل الميل مع النفس ((فإن النفس لأمارة بالسوء)).

رقيقة: ارفع قصتك في رقعة الإقبال، على كف الرجاء، خافضاً من طرف الحياء وصوت الإدلال، عاكفاً في زاوية الانكماش، من وراء ستر الخوف – يخرج عليك حجاب القدر من باب الكرم بتوقيع ((فاستجبنا له)).

حقيقة: وجد العارف فجاد بنفسه، ((فوجد الله عنده)).
وتواجد المريد فحاكى، ومن لم يبك تباك.

رقيقة: اللحم أيام التشريق مكروه، وكل لذة عند أرباب السعة كاللحم عندك في الأضحى، فلا ترينك الغفلة عن سرك زيادة النعمة عند غيرك.

حقيقة: صدق مجاهدة الفاروق أيقظ الوسنان، وطرد الشيطان وأرضى الرحمن، ففاز بسلامة ((ما سلكتَ فجاً إلا سلك الشيطان فجاً غير فجك)).
وحقق مشاهدة الصديق "أسمع من أناجي"، فحاز غنيمة ((لو كشف الغطاء ما ازداد يقيناً)).
فذهب أبو بكر في السابقين، ولحق عمر بأهل اليقين، فما أدرك الصديق أداء التصلية حتى استدرك الفاروق قضاء السقيفة:
ولو كنتُ في أهل اليمين منعماً بكيت على ما فات في زمن الصبا

رقيقة: قال لي أبو حيان بمصر: قال لي عمر بن الخيمي: تحادثتُ أنا ونجم الدين ابن إسرائيل هذا البيت:
يا بارقاً بأعلى الرقمتين بدا لقد حكيت ولكن فاتك الشنب
فتحاكمنا إلى ابن الفارض، فأشار بأن ننظم قصيدة، نضمنها البيت، فنظم ونظمتُ:
يا مطلباً ليس لي في غيره أرب إليك آل التقصي وانتهى الطلب
فقضى به لي.

حقيقة: حدثت أن أبا زيد الهزميري بعث إلى ابن عمران التسولي، وكان كثير الصلاة: أنه لم يبق بينك وبين الله حجاب إلا الركيعات، فرفع إليه ما معناه: إن الاتصال كان منها فلا كان الانفصال عنها.
يعني: من رزق من باب فليلزمه.

رقيقة: حدثت أن أبا محمد عبد العظيم الزموري حضر على نصراني قد حلق لحيته، فأقبل عليه حتى قبله، وهو يبكي ويقول: أحسنت يا من قدر لحية عصت الله قدرها، ما يصلح لها إلا ما فعلتَ بها !

حقيقة: تخيرْ المساعد واختبرْ المصاعد، وليكن هُّمك في سفرك منك معرفتَك كيف ترجع إليك، فلن يحقق صفة الربوبية من لم يتحقق نعت الربوبية.

رقيقة: حدثت أن بعض فقهاء المشرق اختلس متاعه، فهتف بالسارق قد وهبتكه، فقل: قبلتَ.
فقلتُ: تخلق بالسماح، والسماح رباح، ورحم ذليل العصيان ((والراحمون يرحمهم الله)).

حقيقة: سفر المريد تجارة، وسفر العارف عمارة، فهذا يرحل للإقامة عند الحقيقة، وذاك يطلب الاستقامة على الطريقة.

رقيقة: افتخر الغراب بإقامة قرآن الفجر، فقيل: حتى تغسل بول الشيطان من أذنك، فطرب الديك فرحاً بالفوز، وندب العصفور ترحاً على الفوت.

حقيقة: سألت أبا عبد الله بن شاطر الجمحي عن معنى قول ابن الفارض:
فلم أله باللاهوت عن حكم مظهر ولم أنس بالناسوت موضع حكمة
فقال: يقول: ما أنا بالحلاج، ولا ببلعام.
فقلتُ: وهذا هو الإنسان على الكمال والتمام، ولقد سمعته يقول في الحلاج: نصف إنسان، يشير إلى البيت.

رقيقة: حدثت أنا أبا الحسن الشاذلي لما أزمع على التحول من طيبة على من بها الصلاة والسلام أوقف فعله على إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرآه في منامه فقال له: توحشنا يا علي، فأخذ يجد في طلب الإذن فأذن له، وقال: إذا جئت مصر فاقرأ عز الدين بن عبد السلام مني السلام، قال: فلما التقيا بلغه المألكه سراً لم تطمئن نفسه لذلك، فلما قام المزمزم قال:
صدق المحدث والحديث كما جرى وحديث أهل الحب ما لا يفترى
فاستغفر الشيخ وكذب نفسه، ثم حط للتعليم رأسه.

رقيقة: حدثتُ أن ابن امحوط الموله دخل في حلقة أبي عبد الله بن رشيد بجامع القرويين، وبين رجليه قصبة كأنها فرس، وبيده أخرى كأنه رمح، فانتهره رجل، فضربه برمحه على رأسه وقال له: اسكت يا ميت، فبهت الناس لكلامه، وقال له الشيخ: يا فقير أنت في حال ونحن في مقال، وشأن أرباب الأحوال التسليم لأصحاب الأقوال، فنظر إليه الموله وانصرف، ثم لم يلبث المنتهر أن توفي بعد ذلك بأيام قلائل.

حقيقة: الوهم شيطان القلب، يأتيه من بين يديه، ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، وسائر الجهات بمراقبة ((قل هو القادر)).
فمن ثم كان أشد تقلباً من المرجل على الجمر، فإذا ذكر الله سكن، ((ألا بذكر الله تطمئن القلوب)).

رقيقة: فرق القلب من ذكر الله خوفاً ((وجلت قلوبهم))، ثم سكن بذكره رجاء ((وتطمئن قلوبهم))، فعاد إليه بعد داء ((تقشعر منه)) دواء ((ثم تلين))، فنعق بلائمه:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء
ثم هتف بمنادمه:
وداوني بالتي كانت هي الداء

حقيقة: العبودية صفة نفسك، لأنها حال أحد العبيد، والعبودة صفة قلبك لأنا ملكة واحد العباد، والعبادة قصد وجهك، لأنها نعت الفرد من العباد.

رقيقة: صن عينك عن قلبك لربك، وقلبك عن نفسك لحسك، ونفسك ن طبعك لوليك، وطبعك عن هواك لعدوك، وهواك عمن سواك، فقد كنت من أهل الجنة فثناك وهمه أن يقطعك عما أخرج منه أباك، ((ولا يفتننكم الشيطان)).

حقيقة: الصبر مطية المريد، والرضا سجية المراد، فهذا يقوم للأمر، وذاك يسعى للأجر.

رقيقة: كنتُ بجامع تلمسان وإلى جنبي رجل ينتمي إلى طريق العرفان، فجعل سائل يشكو الجوع والألم، فتصدق ذلك الرجل عليه بدرهم، وقال: إياك أن تشكو الرحمن إلى من لا يرحم.
فقلتُ: أمره أن يسأل عزيزاً بمولاه، ونهاه أن يشكو ذليلاً من سواه.
وكان الفارابي يكثر أن يقول: يا رب إليك المشتكى، حتى أنه ليوجد في أثناء ذكره وكلامه في غير موضعه، فيعجب من لا علم له بمنزعه.

حقيقة: الشطح كناية، والكرامة عناية، والاعتراض جناية، فإياك و"لمَ "، فإن عرفتَ فاتبع، وإن جهلت فسلم.

رقيقة: قلتُ لابن شاطر: كيف حالك ؟ فقال: محبوس في الروح، وصدق، لأن الدنيا سجن ولا مخلص له من حبسه إلا بمفارقة نفسه.

حقيقة: تحقق الحامد بكمال الذات فغاب عن حسه في بحار العظمة، وتعلق الشاكر بجمال الفعل فوقف مع نفسه بسوق النعمة، فهذا تاجر ((ولئن شكرتم)) وهذا ذاكر ((وما بكم من نعمة)).

رقيقة: حدثت أن الإمام الفخر مر ببعض شيوخ الصوفية، فقيل للشيخ: هذا يقيم على الله تعالى ألف دليل، فلو قمتَ إليه ! فقال: وعزته لو عرفه ما استدل عليه، فبلغ ذلك الإمام فقال: نحن نعلمه من وراء حجاب، وهم ينظرون من غير حجاب.
وهذا كقوله في التفسير: إن النعلين اللذين أمر موسى بخلعهما هما المقدمتان اللتان يتوصل إلى المعرفة بهما، فقيل له: إنك قد حللت بالوادي المقدس لسماع: ((أنا ربك)) فلا تنصرف عن مقام التحقيق إلى طلب التصديق، فليس الخبر كالمعاينة.

حقيقة: ما حمد الله حق حمده إلا من عرفه حق معرفته، وذلك لا ينبغي لغيره ((لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)).

رقيقة: الليل معاد الأنس ((إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً))، والنهار معاش النفس ((إن لك في النهار سبحاً طويلاً))، فهذا نشاط رغبة يتسع في مناكبه المجال، وتعتور على مراكبه الأحوال، وذلك حجاب رهبة تهوى إليه الأوجال وتجتمع فيه هموم الرجال، ألا ترى كيف يهاب الجبان درقة الأبطال، وتتقي الحواس جلبة الخيال، كما قال:
نهاري نهار الناس حتى إذا دجا
أقضي نهاري بالحديث وبالمنى
لقد علقت بالقلب عنك محبة
أتطمع من ليلى بوصل وإنما
لي الليل هزتني إليك المضاجع
وتجمعني والهم بالليل جامع
كما علقت بالراحتين الأصابع
تقطع أعناق الرجال المطامع


حقيقة: حجب الطالب أربعة:
فحجاب الغيرة قاذع، قيل لبضعهم: أتحب أن تراه ؟ فقال: لا، قيل: ولم ؟ قال: أجل ذلك الجمال عن نظر مثلي.
وحجاب الهيبة قامع، نزل فقير على ابن عجوز، فبينما هي تصلح له الطعام غشي على الفتى، فسألها الفقير، فقالت له: إنه يهوى ابنة عم له بتلك الخيمة، فخطرت، فاشتم غبار ذيلها، فذهب عقله، فذهب الفقير ليخطبها عليه، فقالت: إذا لم يطق غبار ذيلي فكيف يستطيع أن يشاهدني !!
وحجاب الحيرة دافع، ومن ثم حلا لأرباب الغيبة، قال بعضهم: يا دليل الحائرين زدني تحيراً، ومر على أصحاب الرغبة والرهبة كما قال:
قد تحيرتُ فيك خذ بيدي يا دليلاً لمن تحير فيك
وحجاب الغفلة قاطع، كان بعضهم يقول: إن عذبتني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب، ونظر آخر إلى امرأة فوقع عليه سهم فنزعه، فإذا عليه مكتوب: نظرت بعين العبرة فرميناك بسهم الأدب، ولو نظرت بعين الشهوة لرميناك بسهم القطيعة.

رقيقة: حجب المطلوب ثلاثة: فحجاب التيه جمال، كما قال العارف عمر:
ته دلالاً فأنت أهل لذاك وتحكم فالحسن قد أعطاك
وحجاب العزة جلال:
همت بإتياننا حتى إذا نظرت إلى المرآة نهاها وجهها الحسن
وحجاب الكبراء كمال، وأنشدت لرابعة:
أحبك حبين حبَّ الهوى
فأما الذي هو حبُّ الهوى
وأما الذي أنت أهل له
فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي
وحباً لأنك أهل لذاك
فشغلي بذكرك عمن سواك
فرفعك للحجب حتى أراك
ولكن لك الحمد في ذا وذاك

وهذا معنى ما في الصحيح ((ما بين أهل الجنة وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه جنة عدن)).

حقيقة: حدث أن رجلاً كان يجلس إلى أبي الحسن الحرالي، وكان يشرب الخمور، فسكر مرة فسقطة على زجاجة فشج وجهه، فاختفى إلى أن برئ، ثم عاد إلى مجالسته، فلما رآه الشيخ أنشد:
أجريح كاسات أرقت نجيعها
لا تسفكن دم الزجاجة بعدها طلب التراث يعز منه خلاص
إن الجروح كما علمت قصاص
ففهم الرجل، فتاب.

شاركنا رايك عبر الفيس بوك

بهاء الالوسي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
الرائد والأنصار يطالبان بلجنة تقصّي الحقائق أبو فاطمة نادي الأنصار 0 02-23-2014 12:29 PM
الحقائق والرقائق3 بهاء الالوسي المجلس الإسلامي 0 09-26-2011 12:17 PM
تكليف مفتش قضائي لتقصي الحقائق حول دعوى سحر قاضي المدينة أبو فاطمة صحيفة طيبة نت الاخبارية 0 10-25-2010 08:19 PM
هاتف جوجل .. الحقائق المتاحة الكاملة و لا شئ غيرها أبو فاطمة منتدى أخبار التقنية 1 12-16-2009 05:43 PM
هذه الحقائق سوف تصدمك ABDUL SAFI مجلس الأعضاء العام 1 07-28-2009 03:26 PM

Facebook Comments by: ABDU_GO - شركة الإبداع الرقمية