إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-23-2009, 08:02 PM   #1
ABDUL SAFI
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: May 2009
الإقامة: طيبه الطيبه
المشاركات: 5,566
معدل تقييم المستوى: 21
ABDUL SAFI will become famous soon enough
افتراضي مشاهد الحج الشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي"الجزء الثاني"

مشاهد الحج الشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي"الجزء الثاني"




المشعر الحرام:
ثم إذا وصلت إلى المشعر الحرام مزدلفة، وأنت كنت في مشعر حلال (فعرفة هي المشعرُ الحلال؛ لأنها خارج حدود الحرم، ومزدلفة هي المشعر الحرام؛ لأنها داخل حدود الحرم) فتذكرت مبيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم – بها، ووقوفه الموقف الذي ستقفه أنت بعد طلوع الفجر، تكبِّر الله - سبحانه وتعالى - على ما هداك وما وفقك إليه من الحج، وتذكر أن أهل الجاهلية كانوا يذكرون آباءهم، ويتفاخرون بأنسابهم في هذا المكان، فتذكر الله أكثرَ مما كانوا يذكرون آباءهم.

وبذلك يقوى منسوبُ الإيمان لديك، حتى إذا أفضتَ إلى منى، وأسرعت في بطن مُحَسِّر (وهو وادي النار) - تذكرتَ أيضًا أنه هو الذي انتقم الله فيه من أصحاب الفيل، الذين كانوا يريدون هدم البيت العتيق: {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} [الفيل: 3 - 5]، وجاءت هذه الطيور من جهة البحر الأحمر، وكل طائر منها يحمل ثلاثة أحجار، فيرمي ثلاثة رجالٍ فيهلكون، حتى قضى على آخرهم، ومات الفيل في هذا المكان، فتسرع في هذا المكان؛ لأنه مكان غضب، ومخالفة للمشركين والنصارى الذين كانوا يقفون فيه.

ثم تصل إلى مِنًى بحمد الله، فإذا وصلتَ إليها، ورميت جمرة العقبة - تذكرتَ موقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندها، وأنك تسلك أثره، وهذا الموقف الذي قال فيه ابن مسعود: "هذا موقف الذي أنزلت عليه سورة البقرة"[32]، يقصد موقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم.

العودة من رحلة الآخرة:
ثم بعد ذلك إذا بدأتَ التحلل، تذكر نعمة الله - تعالى - عليك؛ لأنك أتيحت لك فرصة جديدة بعد هذه الرحلة إلى الآخرة، التي تذكرك بالموت بكل ما فيه وبالمحشر؛ حيث جمع الناس في هذا المكان الضيق في عرفات، ورأيت أنواع البشرية وأجناسهم يجتمعون من كل فج عميق، وتذكرت أن الله - سبحانه وتعالى - لا يعجزه حشرُهم جميعًا في الساهرة؛ إذ أرانا من قدرته أنه حشر هذه الخلائق، التي لا حصر لها، والتي يعجب الشخص إذا رآها كالسيول الهادرة في هذه الأماكن الضيقة، فرأيت هذا العجب العجاب، وتذكرت به النشأة الآخرة، وأن الله سيناديهم فيخرجون من الأجداث سراعًا، ويجتمعون جميعًا في الساهرة، حينما يناديهم المنادي: أيها الناس، هلموا إلى ربكم، فيخرجون سراعًا يلتقي أولهم مع آخرهم، وينسَوْن كم لبثوا في قبورهم، فإذا اجتمعوا جميعًا في الساهرة أُتي بجهنم تُقاد بسبعين ألف زمام، في كل زمام سبعون ألف مَلَك، فتحيط بالناس من كل جانب، وتدنو الشمس حتى تصير كالميل على رؤوسهم، ويشتد العرق حتى يُلجِم أقوامًا، ويصل إلى تراقي آخرين، وإلى ثدي آخرين، ودون ذلك، ويطول هذا الموقف حتى يكون كألف سنةٍ مما تعدون، ويبحث الناس فيه عن المخرج ولا يجدون المخرج إلاَّ إلى الأنبياء، ويختارون أولي العزم منهم، فيمرون بهم مرورهم الذي أخبرنا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم في الآخر تكون المنزلة والرفعة لرسولنا - صلى الله عليه وسلم - الذي هو الشافع المشفعن وهذا هو المقام المحمود الذي ادخره الله له.

تذكر ماذا ستكون عليه في ذلك اليوم، الذي ينظر الشخص من أمامه فلا يرى إلا عملَه، وينظر من خلفه فلا يرى إلا عمله، وينظر أيمن منه فلا يرى إلا عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلاّ عمله، وتذكر هذا الموقف العظيم الذي تعلن فيه النتائج، وينادي الله - سبحانه وتعالى - آدمَ بصوت، فيقول: ((أخرج بعث النار، فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فذلك يوم تذهل كلُّ مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حملٍ حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى؛ ولكن عذاب الله شديد))[33]، ذلك الوقت الذي تعلن فيه النتائج على رؤوس الأشهاد، فينادى: {وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} [يس: 59].

فيُفصل بين الناس فيه، ويحال بينهم، ويضرب فيه بينهم بسور له باب، باطنه فيه الرحمة، وظاهره مِن قِبَله العذاب.

تتذكر مرورك وعبورك على الصراط، الذي هو جسرٌ منصوب على متن جهنم، يمر الناس عليه، وهو أحدُّ من السيف، وأرقُّ من الشعر، وعليه كلاليبُ كشَوْك السَّعْدَانِ، يمر الناس عليه بحسب أعمالهم؛ فمنهم مَن يمر كالبرق الخاطف، ومنهم مَن يمر كالريح المرسلة، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل والإبل، ومنهم من يمر كالرجل يشتد عدْوًا، ومنهم من يزحف على مقعدته؛ فناجٍ مُسَلَّمٌ، ومخدوشٌ مرسل، ومكردسٌ في نار جهنم.

تتذكر عبورك على هذا الصراط، وأنه جسر حقيقي، وأنك اليوم تسير على جسر معنوي، وهو المحجة البيضاء ليلها كنهارها، وأنه بقدر ثباتك على هذا الصراط الدنيوي، يكون ثباتك على الصراط الأخروي.

فاختر لنفسك وأنت ترى هذا بعيني رأسك، ترى أنك الآن تسير على صراطٍ، أنت متحكمٌ فيه، وأنت منه في سعة: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78].

تسير في صراط موافقٍ للفطرة، ليس فيه كلاليب كشوك السعدان؛ بل كل أموره ميسرة ولله الحمد، كل أموره موافقة لمرضاة الله، ولفطرة ابن آدم التي فطره الله عليها، وكلها لمصلحة ابن آدم، وأنت تسير عليه، واعلم أنه على قدر استقامتك عليه ستكون استقامتك على ذلك الصراط الأخروي، الذي وصفناه بأوصاف مناقضة لهذه، فهو بهذا الضيق، والشدة، والحدة، وعليه هذه الكلاليب، التي هي كشوك السعدان.

ربما كانت حجتك الأخيرة:
ثم تتذكر أن هؤلاء القوم الذين يجتمعون في هذا الحج، سيتفرقون تفرقًا لا لقاء بعده، فيا رُبَّ واقفٍ بعرفة لن يقف بعدها بعرفة أبدًا، ويا رُبَّ حاج في هذه السنة لا يأتي عليه هذا اليومُ إلاّ وهو تحت التراب، ولا تدري لعلك تكون منهم؛ فلذلك حاول أن تنتهز الفرصة التي نلتَها، فإن يوم القيامة ليس فيه اهتبال للغرض؛ بل إن كان أحد يوم القيامة يتمنى أن يعود إلى الدنيا؛ لعله يغير شيئًا مما كان يعمله، فالمحسن يندم على ألاَّ يكون زاد، والمسيءُ يندم على أصل إساءته، كل الناس سيندمون يوم القيامة، ويتمنَّون الرجعة إلى هذه الدنيا، التي هي دار عملٍ ولا جزاء، وهم يعلمون أنهم في الآخرة، التي هي دار جزاءٍ ولا عمل، ويتمنون لحظةً واحدةً يعودون فيها إلى هذه الدنيا؛ لعلهم يحسنون صُنعًا، وبذلك أخبرنا الله - تعالى -: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المنافقون:10، 11].

وكذلك قال: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 99، 100].

فلذلك حاول أن تكون هذه الفرصة فرصةً ذهبية بالنسبة إليك، تُقدِّم فيها لنفسك، وتقرض الله قرضًا حسنًا، وتتقي النار بأي شيءٍ، حتى ولو بكلمةٍ طيبة، وَحاول أن تجعل من بقية عمرك علاجًا لما سلف منه، فأنت تعلم ما قصرتَ فيه في جنب الله، وتتذكر ما فرطت فيه، وتعلم أن الله يناديك فيقول: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} [الزمر: 53 - 56].

فإذا نفرتَ من مِنًى كان على يمينك الشعب الذي خلف الجمرة، وهو الذي وقعت فيه بيعة العقبة، حيث نظَّمَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم – الأنصار، وجعَل عليهم اثني عشر نقيبًا، فكان ذلك أول لبنةٍ وضعت لبناء دولة الإسلام الكبرى، ولا شك أن تذكُّر هذه البيعة، ومشاهدة مكانها - مما يحرك مَشاعر الإيمان، وينفض عنها الغبار.

فإذا لم تتعجَّل، واستطعت أن تمر بمُحَصَّب بني كنانة، حيث تحالفوا على حرب الله ورسوله، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبر الناس أنه نازل به، وصلى فيه أربعة أوقات.

فإذا نزلت فيه تذكرت ما باءتْ به مؤامراتُ أعداء الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - من الفشل الذريع، وما حققه الله لرسوله من النصر المبين، فتذكرت قول الله – تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 38 - 40].

اصبر:
وفي الأخير إذا دفع الناس من الحج وانصرفوا، فإن الشخص سيتذكر أن كثيرًا من الناس، الذين ربما صبر على أذاهم، وربما كافأهم بالأذى - نعوذ بالله - قد افترق معهم فرقة لا اجتماع بعدها أبدًا، وكان أهل الجاهلية يعرفون ذلك، ولذلك يقول امرؤ القيس:


وَلِلَّهِ عَيْنَا مَنْ رَأَى مِنْ تَفَرُّقٍ أَشَتَّ وأَنْأَى مِنْ فِرَاقِ المُحَصَّبِ
فَرِيقَانِ مِنْهُمْ جَازِعٌ بَطْنَ نَخْلَةٍ وَآخَرُ مِنْهُمْ سَالِكٌ فَجَّ كَبْكَبِ[34]




فهذا من العجائب العجيبة، فإنك تبيت هذه الليالي - ليالي منى - في جمع غفير من الناس، يحيطون بك عن يمين وشمال، وربما أزعجوك، وربما ضايقوك في سيرك، أو في استقرارك، أو في غير ذلك؛ لكنك بعد ثلاث ليالٍ لن تلتقي معهم بعد هذا الوقت أبدًا، فهذا من عجائب ما في هذه الدنيا، وتجد في كل سنة من المواعظ - غير ما ذكرناه - الشيءَ الكثير، ففي سنتنا هذه (1417هـ) شاهدنا هذا الحريق المروع الفظيع، الذي حال بين المرء وأقاربه، يفر فيه الرجل عن أهله، وعن أخيه، يفترقان ولا يلتقيان، إلا بعد مدة طويلة، أو لا يلتقيان إلى الأبد، أتى هذا الحريق على الأخضر واليابس في ساعات معدودة، وهو من مستصغر الشرر، وتتذكر بذلك نار جهنم، تتذكر: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس: 34 - 37].

ترى هذه الدنيا كيف تتغيَّر إلى حطام وركام أسود، بعد أن يمحقها الله - تعالى - وتذكر المثلَ الذي ضربه لها في قوله: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا} [الكهف: 45]، وقول الله – تعالى -: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [يونس: 24 - 25].

تتذكر أن كثيرًا من الناس عندما أمَّنوا سكنهم، ووجدوا فيه ما كانوا يرغبون فيه، من المكيفات، والفرش، والأضواء، والتهيئة - اطمأنوا إلى مكانهم، وأيقنوا أنهم وجدوا بغيتهم، وحصلوا على راحتهم المنشودة، ولكنه في لحظات قليلة يفقد كل هذا، فيصير ركامًا أسودَ قد احترق، أو لعبت به النار يمينًا وشمالاً، وأنت تتذكر هنا أن المقابل هو الجنة الباقية الخالدة: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الزخرف: 71]، يقول الله فيها: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ ماَ أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة:16، 17].

ويقول فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يروي عن ربه - عز وجل - أنه قال: ((أعددتُ لعبادي ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر))[35].

فتجعل همَّك ذلك الخلودَ الباقي الدائم، ولا تتعلق نفسُك بزخارف هذه الدنيا وشهواتها وما فيها؛ لأنك قد شاهدت فَناءها، وشاهدت لعب النار فيها، ومصيرها وما آلت إليه خلال دقائق معدودة، فمَن رأى أثر النار حتى في الفولاذ والحديد، ورأى هذه المكيفات التي كانت معدة لتمام الراحة والهدوء والطمأنينة، عادت ركامًا أسودَ غير نافع، يتأذى منه رائيه، ورأى آثار النار عليها - يتذكر أن جسده لا يقوى على النار، لا يقوى على نار الدنيا، فكيف بنار الآخرة؟ كل هذا مما يزيد منسوبَ الإيمان لديه، ويتيح له فرصة لعله يتقرب إلى الله فيها.

وفي الختام أسأله - سبحانه - أن يجعلنا أجمعين ممن يعقلون أمثال هذا القرآن، ويفهمون ما ضربت له هذه الأمثال؛ فإن الله - سبحانه وتعالى - يقول: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43].

نفعنا الله بما علمنا، وعلمنا ما ينفعنا، وتقبل حجنا.


ــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ثبت في الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة))؛ "صحيح البخاري": ح1773، و"صحيح مسلم" ج4، ص107، ومعنى أنه ليس له جزاء إلا الجنة: أنه لا يقتصر على تكفير الذنوب؛ بل لابد أن يبلغ بصاحبه الجنة.
[2] هذا اللفظ جزء من حديث أخرجه البزار في "مسنده"، كما في "كشف الأستار" (2/6) برقم (1079) من طريق سليمان بن داود، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال البزار عقبه: "الضعف بيِّن على أحاديث سليمان، ولا يتابعه عليها أحد، وهو ليس بالقوي".
وأورده المحب الطبري في "القرى لقاصد أم القرى"، ص (43، 44) والمرتضى الزبيدي في "الإتحاف" (4/431) وعزياه إلى أبي ذر الهروي في "منسكه" عن أبي هريرة - رضي الله عنه - وسكتا عليه، وله شاهد من طريقين عن أسلم مولى عمر، عن عمر - رضي الله عنه - بنحوه مختصرًا، أخرجهما ابن الجوزي في "مثير العزم الساكن" (1/111، 112) برقم (34، 35) وشاهد آخر عن أبي سليمان الداراني بلاغًا، ذكره المحب الطبري في "القرى"، ص (44)، وعزاه إلى ابن الجوزي دون ذكر مصنَّف معين، وهذا يدل على أن للحديث أصلاً عامًّا، تؤيده النصوص من كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
[3] راجع: "هداية السالك"، لابن جماعة، ج1، ص146.
[4] أورده القرطبي في "تفسيره" (2/8) ونسبه إلى المُخبَّل السَّعدي.
[5] "صحيح مسلم": ج8، ص322.
[6] السُّحُت بإتباع الحاء للسين: السُّحْت؛ أي الحرام.
[7] راجع: "هداية السالك"، لابن جماعة: ج1، ص137.
[8] إشارة إلى حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - عند ابن ماجه، ص (980) رقم (2939).
[9] "لِفْت" ثنية تقع بين مكة والمدينة، واختلف في ضبط الفاء؛ فسكنت وفتحت، ومنهم من كسر اللام مع السكون، انظر: "النهاية" (4/259) مادة: لفت.
[10] "صحيح مسلم": ج1، ص152 ح166، و"سنن ابن ماجه": ح3891، و"مسند أحمد": ج1، ص216.
[11] راجع: حديث عمر في "صحيح البخاري"، ح:1597.
[12] أخرجه الترمذي: ج3، ص294 وحسنه، وابن حبان "الموارد": ص248، والحاكم: ج1، ص457 وصححه ووافقه الذهبي، وأخرجه عبدالرزاق في "المصنف": ج5، ص23.
[13] جاء هذا موقوفًا على ابن عباس عند الأزرقي: ج1، ص323، وجاء مرفوعًا عن ابن عباس وجابر وأنس وأبي هريرة، وكلها ضعيفة، انظر: "سنن ابن ماجه"، ح:295 و"فيض القدير": ج3، ص409-410، وصحح ابن تيمية وقفه.
[14] راجع: "سيرة ابن هشام": ج4، ص22.
[15] أخرجه الأرزقي في "تاريخ مكة": ج1، ص78 - 80 من عدة طرق.
[16] "صحيح البخاري"، ج:104، ومسلم ح:1354.
[17] راجع: "سيرة ابن هشام": ج4، ص34.
[18] راجع البيتين في قصيدة أبي طالب الطويلة في شأن الحصار، وهي في "سيرة ابن هشام": ج1، ص(273) ط: السقا وزميله.
[19] البيت من معلقة النابغة الذبياني، راجع: "شرح القصائد العشر"، للخطيب التبريزي ص (461) ش - فخر الدين قباوة.
[20] أخرجه الشافعي في "المسند": ص(125) وفي "الأم" (2/169) عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج مرفوعًا، ومن طريقه أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (3/73) وقال: هذا منقطع، وله شاهد مرسل عن سفيان الثوري، عن أبي سعيد الشامي، عن مكحول.
[21] أخرجه مالك في "الموطأ": ج1، ص372، ومسلم في "الصحيح"، ج4، ص40 في حديث جابر.
[22] راجع: "صحيح البخاري" حديث: 3612.
[23] أخرجه مسلم في الصحيح: ج4، ص40 في حديث جابر في حجة الوداع.
[24] وقد ذكر أبو طالب هذين الصنمين في قصيدته، فسمى نائلة (نائلاً)، وذلك في قوله:
وَحَيْثُ يُنِيخُ الأَشْعَرُونَ رِكَابَهُمْ بِمفْضَى السُّيُولِ مِنْ إِسَافٍ وَنَائِلِ


انظر: "السيرة النبوية"، لابن هشام (1/83).
[25] أخرج ذلك البيهقي في "السنن الكبرى": ج5، ص154.
[26] أخرجه أبو داود برقم (219)، والترمذي برقم (881) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه برقم (3006)، وأحمد (6/207) عن عائشة - رضي الله عنها.
[27] أخرجه البخاري، ح:76، ومسلم ح: 504.
[28] في "صحيح مسلم" من حديث أبي هريرة: ((ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)) برقم (2588).
[29] ورد الحديث من طريق مرفوعًا وموقوفًا عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أخرجه أحمد في "مسنده" (4/267) برقم: (2455) وابن جرير في "تفسيره" (9/110-111) والحاكم في "المستدرك" (1/27) و(2/544) وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (1/518) برقم (441)، وأخرجه من وجه آخر مالك (2/898، 899)، ومن طريقه أخرجه أبو داود برقم (4703)، والترمذي برقم (3075)، والنسائي في "تفسيره" برقم (210)، وأحمد في "مسنده" برقم (311)، وابن حبان في "صحيحه" كما في "الإحسان" برقم (6166) وغيرهم، وانظر: "فيض القدير" (2/363).
[30] أخرجه البخاري من حديث شداد بن أوس - رضي الله عنه - ح:6306.
[31] أخرجه مسلم في "الصحيح": ج3، ص107، والنسائي: ج5، ص251، 252، وأخرج الحديث بتمامه ابن حبان في "صحيحه - الموارد": 240 – 248، وحسنه الهيثمي في "مجمع الزوائد" ج3، ص3.
[32] "صحيح البخاري": 1747.
[33] "صحيح البخاري": 3348.
[34] البيتان من قصيدة امرئ القيس التي مطلعها:
خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي عَلَى أُمِّ جُنْدَبِ نُقَضِّ لُبَانَاتِ الفُؤَادِ المُعَذَّبِ


انظر: "ديوانه" ص: (74 - 85) ت: حسن السندوبي.
[35] "صحيح البخاري": 4433.

شاركنا رايك عبر الفيس بوك

__________________




أحزان قلبي لا تزول.....حتى أبشر بالقبول

وأرى كتابي باليمين.....وتقر عيني بالرسول
ABDUL SAFI غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر

الكلمات الدليلية
أحمد, مشاهد, الثاني", الحج, الدين, الحسن, الصحي, الشنقيطي"الجزء


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
مشاهد الحج الشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي"الجزء الأول" ABDUL SAFI المجلس الإسلامي 0 11-23-2009 08:01 PM
دمعة في الحج د. محمد بن محمد الأمين المختار الشنقيطي"الجزء الثاني" ABDUL SAFI المجلس الإسلامي 0 11-23-2009 07:22 PM
دمعة في الحج د. محمد بن محمد الأمين المختار الشنقيطي"الجزء الأول" ABDUL SAFI المجلس الإسلامي 0 11-23-2009 07:18 PM
حياة إنسان: الشيخ محمد الأمين الشنقيطي"2" ABDUL SAFI المرئيات والصوتيات 0 11-16-2009 11:53 PM
حياة إنسان: الشيخ محمد الأمين الشنقيطي"1" ABDUL SAFI المرئيات والصوتيات 0 11-16-2009 11:50 PM

Facebook Comments by: ABDU_GO - شركة الإبداع الرقمية