إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 06-17-2012, 01:27 AM   #1
آيــه
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 2
معدل تقييم المستوى: 0
آيــه is on a distinguished road
Post رحلة الرحلات - مكة في مائة رحلة مغربية ورحلة

رحلة الرحلات
مكة في مائة رحلة مغربية ورحلة

أورد - علي تاج الدين السخاوي - في كتابه – منائح الكرم في أخبار مكة والبيت وولاة الحرم – عن ابن عباس رضي الله عنهما "ما أعلم بلدة يكتب لمن صلى فيها ركعة بمائة ألف غير مكة ، ولا أعلم على وجه الأرض بلدة يتصدق فيها بدرهم فيكتب له ألف درهم غير مكة ، ولا أعلم على وجه الأرض بلدة ما مس فيها شيء إلا وفيه تكفير للخطايا غير مكة ، ولا أعلم بلدة يحشر منها الأنبياء غير مكة ، ولا أعلم على وجه الأرض بلدة ينزل فيها كل يوم من روح الجنة ما ينزل بمكة " ج1 ص 248
ولا عجب أن استنبط حبر الأمة رضي الله عنه ، ما لمكة المكرمة من الفضائل ، ما لمكة المكرمة من الفضائل ، وقد تتبع ذلك في نص التنزيل في الكثير من الآيات ، وفي الأحاديث النبوية مما يعطى لمكة المكانة التي أردها الله لها في قوله تعالى: "وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا" و "أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبي إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ..." و "جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ...." و "إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين" ونقل الإمام محمد بن جرير الطبري شيخ المفسرين في تفسيره – مجمع البيان – عن علي بن أبي طالب " أنه لم يكن أول بيت وضع في الأرض ، لكنه أول بيت وضع للناس – للعبادة فيه – مباركا وهدى "ويرى محمد الطاهر بن عاشور في – التحرير والتنوير – "أن البيت الحرام أسبق من بيت المقدس بتسعة قرون ، بناه – إبراهيم – في حدود 1900 سنة قبل المسيح ، وسليمان بنا بيت المقدس سنة 1000 قبل المسيح"
وقد كان شأن مكة عظيما في القديم: ففي كتب التاريخ القديمة منذ عهد بطلميوس الذي سماها – ماكورابا – والتي تعنى – المقدسة – بلغة – سبأ - ، وسترابو ، وديودور ، ورد أن – مكة – كانت مركزا مقدسا ومحجا لجميع العرب ، إليها – كما في بعض الروايات التاريخية حج الإسكندر الأكبر قادما من عدن ، كما حج إليها ملوك الفرس في القديم. ووثقت رسالة خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم من مكانتها بين المسلمين: فهي القبلة التي يصلي إليها المسلمون من أنحاء الدنيا ، وإليها يحجون ويعتمرون ، وحولها تكونت ثقافات الشعوب الإسلامية ، ومنها تدفق نور المعرفة وتجددت – معرفة الوحدانية أولا ، ثم انبثقت منها معارف المسلمين الذين نهلوا شتى العلوم من جامعاتها الكبرى في حلقات العلماء حول الكعبة المشرفة.
ويؤيد – عبد العزيز بن عبدا الله – عضو المجامع العربية ما ذهب إليه رئيس مجس إدارة المؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي للشيخ أحمد زكي يماني "لا يوجد في تاريخ الإنسانية موقع جغرافي حج إليه ملايين البشر في كل جيل مثل الجزيرة العربية ، ولا موطن استقطب خمس سكان الأرض مثل الحجاز: الوطن الروحي الأول لكل مسلم"
ولأن العام 1424 هجرية 2005 كان عام مكة المكرمة – عاصمة الثقافة الإسلامية – فقد أصدرت مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي في لندن ، في مجلدين – 100 رحلة مغربية ورحلة إلى مكة المكرمة – من تأليف الدكتور عبد الهادي التازي ، ولأنه يصعب استعراض هذا الكم الهائل من الرحلات في دفتر المجلدين ، فقد يكون أنسب أن نتجول في المقدمات والخواتم التي صدر بها وختم المؤلف ، حصره لبعض رحلات المغاربة إلى عاصمة الإسلام وقبلتهم ، ومهوى أفئدتهم – مكة المكرمة – فهذه الدراسة التي قدم بها المؤلف السفرين الكبيرين وختم بها تشغل قارئها عن تتبع التفاصيل المختصرة لهذه الرحلات ، فهي تنتقل بك بين جد الرحالة وهزلهم ، ويسرهم وعسرهم ، وتناولهم لما رأوه وعايشوه من أمور الدنيا والدين ، في شعر ونثر.
ولابد من الإشارة في البدء إلى الأهمية التي أدركها الباحثون في الثقافة الإسلامية لما تقدمه – كتب الرحلات من معين لا ينضب من المعلومات عن بلدان العالم الإسلامي خاصة ، وبالأخص عن مكة المكرمة ، ومن الوفاء لرائد الدراسات الإستشراقية لكتب الرحلات – أغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي – أن نقدم الاستشهاد بما قاله في مقدمة كتابه تاريخ الأدب الجغرافي العربي ، حينما أشار إلى كتب الرحلات والجغرافيا على أنها "اتخذت طابعا جم الحيوية والنشاط منذ القرون الأولى للخلافة ، وغدت المصدر الموثوق به في دراسة ماضي العالم الإسلامي ، إذ تتوفر فيه مادة لا ينضب معينها ، لا للمؤرخ ولا للجغرافي فحسب ، بل أيضا لعلماء الاجتماع والاقتصاد ، ومؤرخي الأدب والعلم والدين واللغويين وعلماء الطبيعة"
ويتشهد – كرتشكوفسكى – بالمؤرخ - المقري – صاحب – نفخ الطيب – "الذي أورد في مؤلف وضعه في القرن السادس عشر أسماء 280 شخصا ممن رحلوا – إلى مكة المكرمة – في طلب العلم وحده ، وليس بغرض التجارة أو الحج.
وهذا ما دعا – كراتشكوفسكي – ومن بعده – حمد الجاسر – ‘لى القول بأن الرحالة المغاربة بزوا زملاءهم من عرب وعجم كما وكيفا في أدب الرحلات إلى الحرمين. ولا عجب في ذلك فإن " من أطرف ما استأثرت به مرويات التاريخ المغربي ما تضافرت الروايات على نقله من توجه وفادة مغربية منذ الأيام الأولى لظهور نبي الإسلام إلى مكة المكرمة للإجتماع به صلى الله عليه وسلم والاستماع إليه قبل أن يهاجر إلى المدينة المنورة ، ويتعلق الأمر بجماعة تتألف من سبعة رجال من قبيلة رجراج ، أشراف قبائل مصمودة ، كان شاكر بن يعلى بن واصل على رأسها ، وعن طريق هذه الوفادة سمعت بلاد المغرب بالإسلام أول الأمر على ما ذكره أبو عبد الله محمد بن سعيد المرغيتي السوسي المتوفي عام 1089 هجرية – 1678 م"
ويذهب – الدكتور عبد الهادي التازي - مؤلف – رحلة الرحلات – الذي نحن بصدده إلى أن الحج "كان أكبر وأعظم مؤسسة قدمها الإسلام للمسلمين أينما كانوا وحيثما كانوا ، بما تشمل عليه من تنوع زاد ، كان الحج أبرز رسالة موجهة إلينا لمعرفة الآخر ، ولاكتشاف الآخرين لحوار الحضارات " ويضيف المؤلف إلى ذلك ما تضمنته كتب رحلات المغاربة إلى الحج من ثروة نادرة المثال " ، وعشرات النوازل ، ومن هنا وجدنا بعض الرحلات تزخر بالفتاوى حول ما يمكن أن يحصل في أثناء الحج ، وزاد من قيمة الفتاوى أنها لا تنتمي إلى رأي معين ولكنها تعتمد على عدة أراء ، وكل رأي له مدركه ومستنده في القضية: ومن هنا كانت – الرحلات الحجازية موسوعة فقهية جديرة بالإطلاع"
ولأن الفتاوى اجتهادات بحسب معارف المجتهد وسعة إحاطته بالنصوص التي يقيس عليها ، فقد شهدت فتاوى الحج كما وردت في – رحلة الرحلات – " ما أثار الجانب المغربي بصفة خاصة دون الجانب المشرقي من الحجاج ، فلم ير المغاربة السكوت عليه مما رآه غيرهم أمرا غير ذي بال ، ومن ذلك ما يتعلق – بالتبغ أو الدخان – فكل الرحالة المغاربة كانوا لا يتصورون أن يقوم زميلهم بإشعال سيجارة ، وعدوا فعله حدثا غريبا يستحق أن يروى للناس في المغرب على أنه منكر من المنكرات ، وهذه الرحالة – ابن الرواندي ثار على الذين يدخنون ، فيما علق على ذلك شعرا – السنوسي التونسي:
إن أهل الشرق طرا ولعـــــوا بدخان ذي البخار النتن
واكتفوا من نقطة زيدت على نتــــــن لستره بالتــــــتن
وأوجدت كتابات الرحالة المغاربة في رأيه "فكرا خلاقا " كون " ثقافة الحج التي مزجت الجانب الفقهي بالجوانب الأخرى المتعلقة بالأسفار وآدابها ، وقضايا الإيجار والعلاقات بين الرجل والمرأة ، وضبط تلك العلاقات في أثناء الحج ، والتدريب على تحمل المشاق ، ومواجهة المصاعب وتخليق الممارسات"
ومما أشار إليه القرآن الكريم في أداء المسلمين لفريضة الحج "ليشهدوا منافع لهم" فقد أشار المؤلف في قراءاته لرحلات المغاربة إلى مكة المكرمة إلى ما قرأه فيها عن "الآصرة التي تربط العالم المغربي من فاس وسوس بالعالم من بخارى أو خراسان ، كان المغاربة يعودون بحمولة مهمة من الزاد العلمي والمعرفي ، كانت مكة المكرمة بالنسبة لهم المرجعية التي يشعرون إزاءها بوجدانهم وآمالهم ، كما يعودون وهم يحملون معهم ذكريات وإفادات ينقلونها إلى المجتمع الذي ينتسبون إليه"
ولابد أن القارئ الكريم يتخيل وهو يغوض في غمار – رحلة الرحلات – التي تستعرض ما قاله 101 رحال في أسفارهم إلى مكة المكرمة – تنوع ما يكتب لتباين ثقافة كاتبيها وأغراضهم "كل يتحدث بما كان يعتقد أنه مقصده ، وبما كان يهتم به هو في خاصة نفسه: هذا يهتم بمن يلقاه من الرجال – العلماء – وذاك مهتم بالمنشئات المعمارية ، وهذا مهتم بالطبيعة وألوانها ، ,وآخرون مهتمون بالمخالفات والمنكرات التي شاهدوها – في رحلاتهم – وهؤلاء في أحوال الحكم في البلاد ، وهؤلاء بأحوال الأوبئة والمناخ والجو ، حتى قرأت عن بعضهم رصد خسوف القمر على سماء مكة المكرمة مما لم أقرأه في كتاب يتعلق بتاريخها"
ومما استنكره كتاب الرحلات المغاربة إلى الحج ما ذكره الرحالة – العبدري – "الذي شاهد إمساك الرجال بسوق – سيقان النساء وهن يتسلقن إلى داخل الكعبة ، وما حكاه ابن عمار وهو يتحدث عن الاختلاط الذي لم يجد سبيلا لمنعه أن المواسم لا تخلو من مثل هذه المخالفات"
وقد كان مما أثار انتباهنا ونحن تستعرض هذه الرحلات ما أجمع الكتاب عليه – تقريبا – من الحديث عن أدوات الموسيقى والطرب التي لم تغب عن موضوعات الرحلة أيضا ، وخصوصا في منى ، وما أدراك ما أيام التشريق في منى ، أيام أكل وشرب وبعال على حد تعبير بعضهم ، والحديث عن أدوات الاسترواح والراحة لم يكن غريبا عنا في تلك البقاع التي عرفت أنواع الطبول والمزامير والعرضه والشطيح والرديح ، على إيقاع النغمات التي تخلد أيام النضال والنصر"
وقد سجل الرحالة المغاربة بعين لاقطة دقيقة أحوال مكة المكرمة وموانئها وما عليه أوضاع سكانها من مختلف النواحي ، فهذا – ابن جبير – يفاجئه "ما رآه في مكة المكرمة مما لم يره في الأندلس من الأرزاق والطيبات: كنا نظن أن الأندلس اختصت في ذلك بحظ المزية على سائر حظوظ البلاد ، حتى حللنا بهذه البلاد المباركة ، فألفيناها تغص بالنعم والفواكه "وهذه الرحالة – ابن بطوطة – " يلاحظ أن الناس في مكة مهتمون بهندامهم ونظافتهم ، وأن السيدة في مكة تضحى بعشائها حتى تحافظ على ما اعتاده من الطيب والعطر"
ولم يفت بعض الرحالة تسجيل ما رأوه عليه بعض مدن الحجاز من رفاهية عيش ، ومن ذلك ما كتبوه عن "ينبع: التي قال عن أسواقها أحد الحجاج المغاربة أنها تحتوى حتى على لبن النمل"
على أن كم المعلومات عن مكة المكرمة في كتب الرحالة المغاربة ، وهو كم هائل يغطى جوانب هائلة من المعارف والأحداث والأشخاص ، دفع المؤلف إلى أن يقرر "أن تاريخ مكة المكرمة موزع في أقاليم عديدة أخرى ، ومن أبرزها وأهمها بلاد المغرب الكبير ، بما فيها: الأندلس وطرابلس وتونس والجزائر وموريتانيا وغرب إفريقيا على العموم ، ونردد هنا أنه من العام الذي شرع فيه الحج أصبحنا مدعوين للبحث عن تاريخ الجزيرة العربية في جميع أنحاء بلاد الدنيا ، وحيث يوجد الإسلام ، أي أن الجزيرة العربية لم تبق حدودها على ما كانت قبل السنة الثامنة من الهجرة عندما فرض الحج ولكنها حدود اتسعت وترامت وأمست ، أو بعض أجزائها على الأقل محرمة على من يريد اقتحامها ما لم تتوفر فيه شروط الإقامة التي كان من أبرزها اعتناق الإسلام"
وللمرأة حضور في رحلات المغاربة إلى مكة المكرمة التي "سجلت وبشهادة مكتوبة حضور سيدات فضليات وأميرات عالمات جليلات حظين بشهادة قاضي مكة المكرمة ، وطوافهن وسعيهن ووقوفهن بعرفة ، وبسط ذات اليد للفقير المحتاج ، واقتنائهن العقار ، وتحبيسه على أهل الخير والصلاح من المنقطعين المتبتلين"
وقد قدم المؤلف في دراسته لكتابة – رحلة الرحلات – لثقافة الحج وما تحويه من معلومات دينية واجتماعية وتاريخية وجغرافية وأدبية ، دون أن يترك اسهامات وعطاءات المغرب والمغاربة ، ممثلة في ملوكها وسراطها إلى بلاد الحرمين الشريفين وينبع وبدر وغيرها من المواقع التي عرفت بحاجة ساكنيها أو اشتهر بدور تاريخي في عصور الرحالة في القرون الماضية "وقد سجل الرحالة ما كان يعطى للأسر الساكنة في مكة المكرمة والمدينة المنورة من أموال سنوية ويشمل ذلك: العلماء والخطباء والأئمة ، والأغوات ، وخدمة عين زبيدة ، ومصالح الحرم ، وشيخ زمزم وجماعته من الموقتين والمؤذنين بالمنابر ، والمكبرين والمرحمين، ووقادى الحرم وسراجي الأورقة الأربعة ، وسراجي منائر الحرم ، وشيالة القمائم ، وكناسي الحرم ، وفراشي مقامات الحرم، والجبادين ببئر زمزم ، والبوابين بأبواب الحرم، وحاملي مبخرة باب الكعبة، وحاملي أعلام الخطيب، وكناسي ما بين الصفا والمروة، ومؤذني جبال مكة ، وخدمة مشاهد مكة، ومعلمي الصبيان من الرجال والنساء....... عالم كبير من الموظفين والأطر نجد تفصيل الحديث عنهم في الرحلات المغربية"
وقد تساءل المؤلف بعد هذا الاستعراض " متى كنا نعرف أن هناك مؤذنين على الجبال المحيطة بمكة المكرمة يسمعون ذكر الله لمن كان وراء تلك الجبال؟ ويعرفون أن لهم عطاءات خاصة لضمان وصول صدى تلك الأصوات، عطاءات تأتيهم من وراء البحار؟ "
الجانب العملي من الرحلات المغربية يشغل حيز كبير من كتابة الرحالة، فرحلة الحج أداء لفريضة افترضها الله على المسلمين، وانتهزها الحاج ليجعل كل رحلته في العبادة، فخصص معظم الرحالة الكثير من وقتهم لطب العلم أينما حلو في رحلتهم، ففي كل مدينة ما بين المغرب الكبير إلى مكة المكرمة يسألون عن العلماء، ويجلسون في حلقات دروسهم يتلقون منهم الاجازات العلمية – الشهادات – فيما درسوه، وبعض الرحالة من العلماء يجلسون لإعطاء الدروس لطلبة العلم في المدن التي يمرون عليها، فهي رحلة أخذ وعطاء، وتبادل منافع في أعظم باب من أبواب القربات وهو طلب العلم.
"كل الرحالة المغاربة كانوا يرون أن أخذهم من علماء مكة كان بمنزلة الختم الذي يزكي زادهم العلمي، ويأذن لهم في إشاعة المعرفة ونشر العلم، أخذوا في مكة المكرمة من علماء من السند والهند وهمذان وخراسان، والطريف في الرحلات المغربية أنها تروي أيضا عن سيدات فضليات كذلك من الآتي كنا مصابيح يضئن تلك الأرجاء بعلومهن وثقافتهن وصلاحهن، فيستفيد منهن كل اللذين يردون على الكعبة من الأندلس وبلاد المغرب ، وهكذا نجد أن مكة حاضرة في الذاكرة المغربية :أنها كانت – كما ذكرنا – الختم الذي يتوجون به حياتهم العلمية في أثناء السفر إلى الحجاز، إلى مكة المكرمة، هذا السفر الذي ينعتونه بسيد الأسفار"
ويورد المؤلف – في رحلة الرحلات – نماذج لأخذ علماء المغرب عن علماء مكة المكرمة ومنهم راوي – الموطأ – يحيى بن يحيى الليثي عام 234 هجرية والذي سمع عن سفيان بن عيينه، وأبو عبد الرجم الشهير الذي ذكر الإمام ابن تيميه أن تفسيره للقران أفضل من تفسير الطبري، ومنهم أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن حيون من أهل وادي الحجارة – قريبا من مدريد اليوم – ولقي عبد الله بن أحمد بن حنبل، وقد قيل عنه – لو كان الصدق إنسانا لكان – ابن حيون- ومنهم دارس بن إسماعيل المتوفى عام 357 هجرية والذي كان أول من ادخل مدونة سحنون إلى المغرب، ومنهم أبو عبد الله محمد بن صالح القحطاني المغافري الأندلسي المالكي والذي أدركه اجله في بخارى عام 383 هجرية، ومنهم ابو بكر اليابري، أصله من يابرة بالبرتغال، رحل إلى مكة وفيها دفن، ومنهم أبو عمر ميمون بن ياسين الصنهاجي اللمتوني وكان من أمراء المرابطين رغب في السماع من عيسى بن أبي ذر والمتوفى باشبيلية عام 530 هجرية، ومنهم أبو عبد الرحمن مساعد بن احمد بن مساعد الأصبحي لقي امرأة تعرف – بصباح – عند باب الصفا وقرأ عليها بعض التفاسير، ومئات غيرهم من أعلام علماء المغرب ممكن ذكر المؤلف، وممن ضاق الكتاب عن تتبعهم عبر القرون.
ويرد المؤلف على تساؤل المتسائل: ماذا قدمت الرحلات المغربية لقرائها من معلومات: ويجيب: قدمت في –الجانب العلمي- جردا كاملا بأسماء الكتب التي كانت تدرس بمكة، وعناوين الفنون التي كانت محل اهتمام العلماء، والمدارس بمكة، كما أفادتنا الرحلات عن ملك ملوك الإسلام قام بنسخ المصحف الشريف بيده من أول حرف لأخر حرف، وأهداه إلى الحرم بمكة مصحوبا بالأحجار الكريمة واليواقيت الثمينة، وقد أهدى نسخة مماثلة للمسجد النبوي الشريف وثالثة للمسجد الأقصى المبارك، واهتمت الرحلات برصد الأوبئة التي كانت تنتشر في مواسم الحج وتفتك بالحجاج، وكيف أن أمراء مكة كانوا يضبطون أسماء الأموات ولا يسمحون بدفنهم إلا بعد التأكد من هويتهم ووضعهم، كما اهتم الرحالة بالسيول التي كانت تجتاح مكة في المواسم، وكيف دخلت مياهها إلى الحرم، وكيف أن العديد من الحجاج كانوا يطوفون بالحرم سباحة، وما يترتب على ذلك من سؤال فقهي: هل بجزيء الطواف سباحة أم لابد من الطواف على الأقدام؟ كما تركوا لنا ما رصدوه من أنواع الإنتاج الزراعي من خلال ما كان يحتاج إليه الحاج من طعام وشراب.
ولم يغفل الرحالة نقل ما شاهدوه من طرائف وغرائب بعض الممارسات ممن يفدون إلى الحج، ومن ذلك ما نقلوه عن " حاج من جنوب الجزيرة العربية يعرفون بالسرو: يستقبلون البيت الحرام فيسجدون دون ركوع، ومنهم من يسجد السجدتين والثلاث، ويلتفتون يمينا وشمالا التفات المروع، ثم يقومون دون تسليم ولا جلوس للتشهد، وربما تكلموا أثناء ذلك، وربما رفع أحدهم رأسه من سجوده إلى صاحبه ووصاه بما شاء، ثم عاد إلى سجوده، واللافت للنظر في حديث الرحالة عن وسائل المواصلات الشائعة في عهودهم: الحمار الذي يربط بين جده ومكة بما ذكر عنه من صغر الحج وخفة الحركة وكثير النشاط حتى أصبح المغاربة يرددون إلى الآن – حمير جده – تطلق على الشخص النشيط الذي يتحرك بسرعة وخفة ويقضي الأغراض المطلوبة منه دون متابعته.
وقد اشتهرت الكسوة التي كانت ترد من مصر من أوقات الحرمين فيها إلى الكعبة المشرفة كل عام وينقل لنا المؤلف أن ملوك المغرب – ومنهم يوسف بن يعقوب – كانوا " يرسلون كسوة إلى الكعبة المشرفة منافسين في هذا العطاء في عصرهم دولة المماليك في مصر، كما كان الركب المغربي ينافس ركب العراق والشام.
ويشكل لقب الحاج أهمية معنوية يحرص عليها مل من يؤدي فريضة الحج من المغاربة " خاصة من غير المنتسبين منهم لآل البيت، وأمسى لقب الحاج عند بعض المغاربة يعوض الاسم العائلي، لأن المسافة بينهم وبين مكة المكرمة لم تكن قصيرة وسهلة، ولا حتى آمنه، فالذين كانوا يستطيعون أن يجتازوا إقليم برقة بليبيا اليوم، كأنهم كانوا رواد فضاء باصطلاح اليوم، برقة التي ضربت بها الأمثال في الصعوبة والامتناع، ومرت بنا مجموعة كبيرة من المغاربة ممن كانوا يرون أن شخصيتهم إنما تكتمل عندما يذكرون أن لهم رحلة إلى المشرق، وأنهم قصدوا مكة المكرمة بالذات، وحرصوا على أن يأخذوا عن شيوخها"
ولم يكن الأمر يقتصر على الحالة من الرجال، فقد احتوى السفر الكبير على سيدات ممن رحلن إلى الحج وسجلت رحلاتهن ومنهن:
الأميرة الوالدة - 728 هجرية – 1338 م وهي الأميرة مريم حظية السلطان أبي سعيد عثمان بن يعقوب بن عبد الحق رأس دولة بني مرين "كان السلطان يرغب في إرسال والدته للحج فلما توفيت أرسلها لكونها في منزلة والدته، فقد كانت مربيته فعلا، وقد صحب ركبها إلى الحج سفارة لا تقل أهمية عن موضوع الركب، ومما زاد في أهمية الرحلة أن الأميرة كانت تحمل معها هدية فريدة إلى المسجد النبوي لم يعرف التاريخ مثلها لملك من ملوك الإسلام، فقد نسخ العاهل المغربي السلطان أبو الحسن ابن أبي سعيد بيمينه نسخة من القرآن برسم الوقف الخالص للمسجد النبوي الشريف، وزود الركب بمبلغ كبير من الأموال لشراء الضياع بالمشرق لتكون وقفا على الذين يتلون في المصحف عبر الدهور والعصور"
ومنهن الأميرة مريم أخت السلطان أبي الحسن والتي حملت معها المصحف الثاني والذي كتبه السلطان بيده وأهداه لبيت المقدس، وقد تصفحه المؤلف خلال زيارته للقدس الشريف عام 1379 هجرية \ 1959 م، وكانت رحلة الأميرة عام 745 هجرية 1345 م ، وحملت رسالة من أخيها إلى ملك مصر الملك الصالح أبي الفداء إسماعيل بن الملك ناصر، تضمنت رغبة ملك المغرب أن يدعو الخطباء يوم الجمعة، أن يكتب لأهل الحرمين الشريفين كذلك.
ومنهن الأميرة خناثة بنت بكار – المتوفاة عام 1155 هجرية – 1742 م – زوجة السلطان المولي إسماعيل مؤسس الدولة العلوية، وكانت من العالمات اللائي أسهمن في حياة المغرب السياسية والفكرية، وقامت بحجتها التاريخية عام 1143 هجرية – 1731 م " وقام بتسجيل الرحلة الوزير أبو محمد عبد القادر الجيلاني الإسحاقي، والذي حرر للأميرة وبطلب منها فتوى بمكة المكرمة تجيز تملك العقار في البلد الحرام"
ويصف حج الأميرة " وصلت ليلة السادس – من ذي الحجة – إلى مكة المشرفة بعد العشاء وعليها السكينة مرفوفة، راكبة في عجلها في جلالة عظيمة وسيادة فخيمة، في محفل من الأجناد، وجمع من الأجواد، ولهم زجل بالتلبية، ووغير بالتسبيح والتقديس والأدعية، فطافت طواف القدوم، وطلعت إلى دارها المكرى المعلوم، ثم إنها طلعت إلى عرفات ولها دوي بالتسبيح والتقديس، وكانت الوقفة يوم الخميس، ثم نزلت إلى منى فأقامت ثلاثة أيام أكثرت من الهدي، وبذلت الشراب والطعام، ثم نفرت إلى مكة وجاءت بعمرة الإسلام، تكثر من الصدقات على الدوام، وبذلت بغير حصر، وأعطت عطاء من لا يخاف الفقر، ولما فتحت الكعبة دخلتها، أفضلت على خدمتها.
وقد روى ما شاهده – في رحلة الأميرة – من معاناة الحجاج بعد مغادرته مكة المكرمة عائدا إلى بلاده "فقد رأى صبيا صغيرا يتلوى من العطش، فأخذ دينارا لشراء ماء له ليشرب، فأعياه الحصول عليه، فتقدم من أمير الحج المصري وكان يعرفه، وكان قاعدا على حوض والأدلاء – جمع دلو – تختلف بين يديه على حوض تسقى إبله، فقلت يا أمير: احتجنا إلى شيء من الماء وما وجدناه حتى بالشراء، ورأيته الدينار، فضرب بذقنه إلى الأرض وأولاني أذنا صماء، ثم عاودته وقلت له: أنت أمير وتعرفني، أنا طالب علم، أيهما أحق بالماء: الآدمي أم الجمل؟ فاستنكر مقالتي وأخذته العزة بالإثم، وأمر أتباعه وأغراهم بالمغاربة فدفعوهم كما تدفع غرائب الإبل عن الماء"
ويستخلص - الإسحاقي – من هذا دليلا يزعم ما ذهب إليه بعض علماء المغرب "بسقوط الحج عن أهل بلده، لما يصنع بالحجاج مما لا يرضى الله عز وجل"
ويصعب على القارئ ترك مجلدي الكتاب – رحلة الرحلات قبل أن يأتي على آخر صفحة فيهما، لما تضمنه من اختيار لأطرف القصص والمعلومات التي أوردها الرحالة في شتى المجالات، ولا شك أن تتبع وتلخيص أكثر من مئة رحلة بعضها في مئات الصفحات ما كان بالأمر الهين "لقد كان لزاما علي أن أرحل إلى حيث أحقق رغبتي" فرحل إلى ألمانيا الشرقية، وإلى لندن، وإلى مصر والإسكندرية، إلى الجزائر "ولا أتحدث عن المغرب: فقد أزعجت المشرفين على المخطوطات سواء بالعاصمة الرباط أو سلا أو بفاس أو مراكش أو تطوان أو طنجة، ومع كل الأتعاب التي كنت أحسها، لكني مع كل ذلك كنت أشعر بالمزيد من المتعة وأنا أعيش مع المعلومة الجديدة أقرؤها ، ومع الخط الصعب أكتشفه"
وما من قارئ لهذا السفر الكبير إلا ويشارك – أحمد زكي يماني – الرأي في تقديمه "مهما تحدثت عن القيمة العلمية والتاريخية لهذا المؤلف الجليل فلن أوفيه حقه، ومن هنا توجهت إلى أستاذنا التازي بالشكر على صنيعه فلن أوفيه جزاءه، فذلك أمر نكله إلى رب البيت الحرام الذي قيض لنا مثل هذا العالم، فأضاف الكثير من مؤلفاته وتحقيقاته هذا المؤلف الذي تضعه – الفرقان بين الباحثين، ليكون درة مضيئة بين أعمال أستاذنا التازي"
.................................................. .................................................. ........................................
المرجع: رحلة الرحلات - مكة في مائة رحلة مغربية ورحلة – تأليف الدكتور: عبد الهادي التازي – مراجعة الدكتور عباس طاشكندي - الناشر: مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي – لندن – عام 1426 هجرية 2005 م.

شاركنا رايك عبر الفيس بوك

آيــه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-20-2012, 11:28 AM   #2
فراج يعقوب
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jul 2011
المشاركات: 845
معدل تقييم المستوى: 9
فراج يعقوب is on a distinguished road
افتراضي Re: رحلة الرحلات - مكـــــــــــة في مائة رحلة مغربية ورحلة

جزاك الله خيرا وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
__________________
اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي الحبيب العالي القدر العظيم الجاه وعلى آله وسلم
فراج يعقوب غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-25-2012, 03:40 AM   #3
آيــه
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 2
معدل تقييم المستوى: 0
آيــه is on a distinguished road
افتراضي رد: رحلة الرحلات - مكـــــــــــة في مائة رحلة مغربية ورحلة

وإياك .. عليه افضل الصلاه و أتم التسليم
آيــه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-27-2012, 04:48 PM   #4
أبو فاطمة
الإدارة
 
الصورة الرمزية أبو فاطمة
 
تاريخ التسجيل: May 2009
الإقامة: طيبة الطيبة
المشاركات: 11,705
معدل تقييم المستوى: 10
أبو فاطمة is on a distinguished road
افتراضي رد: رحلة الرحلات - مكـــــــــــة في مائة رحلة مغربية ورحلة

بارك الله فيكم اختي
__________________
أبو فاطمة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
الرحلات المحرمة – رحلات الحج - رحلة فينسنت لا بلاك سعاد حكيم خصائص وتاريخ طيبة الطيبة 5 06-30-2012 05:36 PM
الرحلات المحرمة – رحلات الحج - رحلة يوهان وايلد سعاد حكيم خصائص وتاريخ طيبة الطيبة 0 06-29-2012 07:40 AM
رحلة برية أبو فاطمة منتدى التصوير الفوتوغرافي 3 07-07-2011 03:22 PM
رحلة بحرية ABDUL SAFI منتدى التصوير الفوتوغرافي 1 04-03-2011 09:45 PM
رحلة أحد نعمان معالم وآثار طيبة الطيبة 0 07-18-2010 05:11 AM

Facebook Comments by: ABDU_GO - شركة الإبداع الرقمية