مشروح حفظ النعمة بالمدينة المنورة 
 عدد الضغطات  : 2079
معرض أنا المدينة 
 عدد الضغطات  : 2371

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 07-27-2012, 04:34 PM   #1
بهاء الالوسي
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Jul 2011
المشاركات: 498
معدل تقييم المستوى: 6
بهاء الالوسي is on a distinguished road
افتراضي تصرف وجوه الأحكام فيمن تنقصه أو سبه عليه الصلاة والسلام1

الشفا بتعريف حقوق المصطفى

القسم الرابع في تصرف وجوه الأحكام فيمن تنقصه أو سبه عليه الصلاة والسلام

قال القاضى أبو الفضل وفقه الله قد تقدم من الكتاب والسنة وإجماع الأمة ما يجب من الحقوق للنبى صلى الله عليه وسلم وما يتعين له من بر وتوقير وتعظيم وإكرام وبحسب هذا حرم الله تعالى أذاه في كتابه وأجمعت الأمة على قتل متنقصه من المسلمين وسابك قال الله تعالى:
(إن الذى يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا) وقال: (والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب اليم) وقال الله تعالى: (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما) وقال تعالى في تحريم التعريض له: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا) الآية، وذلك أن اليهود كانوا يقولون راعنا يا محمد: أي أرعنا سمعك واسمع منا، ويعرضون بالكلمة يريدون الرعوبة فنهى الله المؤمنين عن التشبه بهم وقطع الذريعة بنهي المؤمنين عنها لئلا يتوصل بها الكافر والمنافق إلى سبه والاستهزاء به وقيل بل لما فيه من مشاركة اللفظ لأنها عند اليهود بمعنى أسمع لا سمعت، وقيل: بل لما فيها من قلة الأدب وعدم توقير النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه لأنها في لغة الأنصار بمعنى ارعنا نرعك فنهوا عن ذلك إذ مضمنه أنهم لا يرعون إلا برعايته لهم
__________
(قوله وبحسب هذا) بفتح السين أي بقدر (قوله ويعترضون) بتشديد الراء المكسورة (قوله الرعونة) بضم الراء أي الحمق (قوله إذ مضمنه) بضم الميم الأولى وفتح الضاد المعجمة (*)

(2/211)


--------------------------------------------------------------------------------

وهو صلى الله عليه وسلم واجب الرعاية بكل حال وهذا هو صلى الله عليه وسلم قد نهى عن التكنى بكنيته فقال: (سموا باسمى ولا تكنوا بكنيتي) صيانة لنفسه وحماية عن أذاه إذ كان صلى الله عليه وسلم استجاب لرجل نادى يا أبا القاسم، فقال: لم أعنك، إنما دعوت هذا، فنهى حينئذ عن التكنى بكنيته لئلا يتأذى بإجابة.
دعوة غيره لمن لم يدعه ويجد بذلك المنافقون والمستهزؤن ذريعة إلى أذاه والإزراء به فينادونه فإذا التفت قالوا: إنما أردنا هذا لسواه.
تعنيتا له واستخفافا بحقه على عادة
المجان والمستهزئين فحمى صلى الله عليه وسلم حمى أذاه بكل وجه، فحمل محققوا العلماء نهيه عن هذا على مدة حياته وأجازوه بعد وفاته لارتفاع العلة، وللناس في هذا الحديث مذاهب ليس هذا موضعها وما ذكرناه هو مذهب الجمهور والصواب إن شاء الله أن ذلك على طريق تعظيمه وتوقيره وعلى سبيل الندب والاستحباب لا على التحريم ولذلك لم ينه عن اسمه لأنه قد كان الله منع من ندائه به بقوله: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) وإنما كان المسلمون يدعونه يا رسول الله يا نبى الله وقد يدعونه بكنيته أبا القاسم بعضهم في بعض الأحوال، وقد روى أنس رضى الله عنه عنه صلى الله عليه وسلم ما يدل على كراهة التسمى باسمه وتنزيهه عن ذلك إذا لم يوقر، فقال (تسمون أولادكم محمدا ثم تلعنونهم) وروى
__________
(قوله تعنينا) بعين مهملة فنون مكسورة يقال عنته تعنيتا إذا شدد عليه وألزمه ما يصعب عليه أداؤه، كذا في القاموس (قوله المجان) بضم الميم وتشديد الجيم في الصحاح المجون أن لا يبالى الإنسان ما صنع وقد مجن بالفتح يمجن مجونا فهو ماجن (*)

(2/212)


--------------------------------------------------------------------------------

أن عمر رضى الله عنه كتب إلى أهل الكوفة لا يسمى أحد باسم النبي صلى الله عليه وسلم) حكاه أبو جعفر الطبري، وحكى محمد بن سعد أنه نظر إلى رجل اسمه محمد ورجل يسبه ويقول له فعل الله بك يا محمد وصنع، فقال عمر لابن أخيه محمد بن زيد بن الخطاب: لا أرى محمدا صلى الله عليه وسلم يسب بك والله لا تدعى محمدا ما دمت حيا وسماه عبد الرحمن وأراد أن يمنع لهذا أن يسمى أحد بأسماء لأنبياء إكراما لهم بذلك وغير أسماءهم وقال لا تسموا بأسماء الأنبياء ثم أمسك، والصواب جواز هذا كله بعده
صلى الله عليه وسلم بدليل إطباق الصحابة على ذلك وقد سمى جماعة منهم ابته محمدا وكناه بأبى القاسم وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في ذلك لعلى رضى الله عنه وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن ذلك اسم المهدى وكنيته وقد سمى به النبي صلى الله عليه وسلم محمد بن طلحة ومحمد بن عمرو ابن حزم ومحمد بن ثابت بن قيس وغير واحد وقال: (ما ضر أحدكم أن يكون في بيته محمد ومحمدان وثلاثة، وقد فصلت الكلام في هذا القسم على بابين كما قدمناه
__________
(قوله وقد سمى به النبي صلى الله عليه وسلم محمد بن طلحة) قال سمى به النبي صلى الله عليه وسلم غير محمد بن طلحة قال الذهبي محمد بن خليفة شهد الفتح فيما يقال وكان اسمه عبد مناف فغيره النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر الحاكم فيمن دخل خراسان من الصحابة محمد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان اسمه ناهية وكان مجوسيا فسافر بتجارة إلى الحجاز فأسلم وسماه النبي صلى الله عليه وسلم محمدا.
قال الذهبي رواه الحاكم بسند مظلم ومحمد بن نبيط بن جابر ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسماه محمد وحنكه فيما قيل ومحمد بن هلال بن المعلى سماه النبي صلى الله عليه وسلم وشهد الفتح، قاله أبو موسى (*)

(2/213)


--------------------------------------------------------------------------------

الباب الأول في بيان ما هو في حقه صلى الله عليه وسلم سب أو نقص من تعريض أو نقص

اعلم وفقنا الله وإياك أن جميع من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو عابه أو ألحق به نقصا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرض به أو شبهة بشئ على طريق السب له أو الإزراء عليه أو التصغير لشأنه أو الغض منه والعيب له فهو ساب له والحكم فيه حكم الساب يقتل كما نبينه ولا نستثني فصلا من فصول هذا الباب على هذا المقصد ولا يمترى فيه تصريحا كان أو تلويحا وكذلك من لعنه أو دعا عليه أو تمنى مضرة له أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهجر ومنكر من القول وزور أو عيره بشئ مما جرى من البلاء والمحنة عليه أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى هلم جرا، قال أبو بكر بن
__________
(قوله أو الإزراء عليه) أي النهاون به (قوله أو عبث) بفتح المهملة وكسر الموحدة بعدها مثلثة أي لعب (قوله وهجر) بضم الهاء وسكون الجيم من الإهجار وهو الإفحاش في النطق (قوله أو عيره) بفتح العين المهملة وتشديد المثناة التحتية (قوله أو غمصه) بفتح الغين المعجمة والميم والصاد المهمل ة: أي عابه أو استصغره (قوله إلى هلم جرا) في الصحاح هلم بمعنى تعالى.
قال الخليل: أصله لم من قولك لم الله شعثه: أي جمعه.
كأنه أراد لم نفسك إليا أي أقرب وها لتنبيه وإنما حذفت ألفها لكثرة الاستعمال وجعلا اسما واحدا يستوى فيه الواحد والجمع والتأنيث في لغة أهل الحجاز وأهل نجد يصرفونها وجرا من الجر وهو السحب وانتصابه على المصدر أو الحال (*)

(2/214)


--------------------------------------------------------------------------------

المنذر أجمع عوام أهلى العلم على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم يقتل وممن قال ذلك مالك بن أنس والليث وأحمد وإسحاق وهو مذهب الشافعي قال القاضى أبو الفضل وهو مقتضى قول أبى بكر الصديق رضى الله عنه ولا تقبل توبته عند هؤلاء، وبمثله قال أبو حنيفة وأصحابه
والثوري وأهل الكوفة والأوزاعي في المسلمين لكنهم قالوا: هي ردة، وروى مثله الوليد بن مسلم عن مالك وحكى الطبري مثله عن أبى حنيفة وأصحابه فيمن تنقصه صلى الله عليه وسلم أو برئ منه أو كذبه وقال سحنون فيمن سبه: ذلك ردة كالزندقة وعلى هذا وقع الخلاف في استنابته وتكفيره وهل قتله حد أو كفر كما سنبينه في الباب الثاني إن شاء الله تعالى، ولا نعلم خلافا في استباحة دمه بين علماء الأمصار وسلف الأمة وقد ذكر غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره وأشار بعض الظاهرية وهو أبو محمد على بن أحمد الفارسى إلى الخلاف في تكفير المسخف به والمعروف ما قدمناه قال محمد بن سحنون أجمع العلماء أن شاتم النبي صلى الله عليه وسلم المتنقص له كافر والوعيد جار عليه بعذاب
__________
(قوله كالزندقة) قال ابن قرقول: الزنادقة من لا يعتقد ملة من الملل المعروفة ثم استعمل ذلك فيمن عطل الأديان وأنكر الشرائع وفيمن أظهر الإسلام وأسر غيره وأصله من كان على مذهب مانى ونسبوا إلى كتابه الذى وضعه في إبطال النبوة ثم عربته العرب انتهى (قوله وأشار بعض الظاهرية) هو المعروف بابن حر على بن أحمد ابن سعيد بن حزم اليزيدى الأموي القرطبى الطاهري توفى سنة خمس وخمسين وأربعمائة (*)

(2/215)


--------------------------------------------------------------------------------

الله له وحكمه عند الأمة قتل ومن شك في كفره وعذابه كفر، واحتج إبراهيم بن حسين بن خالد الفقيه في مثل هذا بقتل خالد بن الوليد مالك ابن نويرة لقوله عن النبي صلى الله عليه وسلم صاحبكم، وقال أبو سليمان الخطابى لا أعلم أحدا من المسلمين اختلف في وجوب قتله إذا كان مسلما، وقال ابن القاسم عن مالك في كتاب ابن سحنون والمبسوط والعتبية وحكاه مطرف عن مالك في كتاب ابن حبيب من سب النبي صلى الله عليه
وسلم من المسلمين قتل ولم يستتب، قال ابن القاسم في العتبية من سبه أو شتمه أو عابه أو تنقصه فإنه يقتل وحكمه عند الأمة القتل كالزنديق وقد فرض الله تعالى توقيره وبره وفى المبسوط عن عثمان بن كنانة من شتم النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين قتل أو صلب حيا ولم يستتب، والإمام مخير في صلبه حيا أو قتله، ومن رواية أبى المصعب وابن أبى أويس سمعنا مالكا يقول: من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو شتمه أو عابه أو تنقصه قتل: مسلما كان أو كافرا ولا يستتاب، وفى كتاب محمد أخبرنا أصحاب مالك أنه قال: من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من النبيين من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب، وقال أصبغ، يقتل على كل حال أسر ذلك أو أظهره ولا يستتاب لأن توبته لا تعرف، وقال عبد الله بن عبد الحكم من سب النبي صلى الله عليه وسلم من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب) وحكى الطبري مثله
__________
(قوله ابن نويرة) بضم النون وفتح الواو بعدها مثناة تحتية ساكنة.
(*)

(2/216)


--------------------------------------------------------------------------------

عن أشهب عن مالك، وروى ابن وهب عن مالك من قال إن رداءه النبي صلى الله عليه وسلم - ويروى زر النبي صلى الله عليه وسلم - وسخ أراد به عيبه قتل، وقال بعض علمائنا أجمع العلماء على أن من دعا على نبى من الأنبياء بالويل أو بشئ من المكروه أنه يقتل بلا استتابة وأفتى أبو الحسن القابسى فيمن قال في النبي صلى الله عليه وسلم الجمال يتيم أبى طالب بالقتل، وافتى أبو محمد بن أبى زيد بقتل رجل سمع قوما يتذاكرون صفة النبي صلى الله عليه وسلم إذ مر بهم رجل قبيح الوجه واللحية فقال لهم تريدون تعرفون صفته هي في صفة هذا المار في خلقه ولحيته قال ولا تقب لتوبته وقد كذب لعنه الله وليس يخرج من قلب سليم الإيمان
وقال أحمد بن أبى سليمان صاحب سحنون من قال إن النبي صلى الله عليه وسلم كان أسود، يقتل، وقال في رجل قيل له لا وحق رسول الله، فقال فعل الله برسول الله كذا - وذكر كلاما قبيحا - فقيل له ما تقول يا عدو الله ؟ فقال أشد من كلامه الأول ثم قال: إنما أردت برسول الله العقرب فقال ابن أبى سليمان للذى سأله اشهد عليه وأنا شريكك، يريد في قتله وثواب ذلك.
قال حبيب بن أبى الربيع لأن ادعاء التأويل في لفظ صراح لا يقبل أنه استهان وهو غير معزر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا موقر له فوجب إباحة دمه، وأفتى أبو عبد الله بن عتاب في عشار قال لرجل أد واشك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال إن سألت أو جهلت
__________
(قوله الجمال) بفتح الجيم وتشديد الميم (*)

(2/217)


--------------------------------------------------------------------------------

فقد جهل وسأل النبي صلى الله عليه وسلم: بالقتل وأفتى فقهاء الأندلس بقتل ابن حاتم المتفقة الطليطلى وصلبه بما شهد عليه به من استخفافه بحق النبي صلى الله عليه وسلم وتسميته إياه أثناء مناظرته باليتيم وختن حيدرة وزعمه أن زهده لم يكن قصدا ولو قدر على الطيبات أكلها إلى أشباه لهذا، وأفنى فقهاء القيروان وأصحاب سحنون بقتل ابراهيم الفزارى وكان شاعرا متفننا في كثير من العلوم وكان ممن يحضر مجلس القاضى أبى العباس بن طالب للمناظرة فرفعت عليه أمور منكرة من هذا الباب في الاستهزاء بالله وأنبيائه ونبينا صلى الله عليه وسلم فأحضر له القاضى يحيى بن عمر وغيره من الفقهاء وأمر بقتله وصلبه فطعن بالسكين وصلب منكسا ثم أنزل وأحرق بالنار، وحكى بعض المؤرخين أنه لما رفعت خشبته وزالت عنها الأيدى استدارت وحوله عن
القبلة فكان آية للجميع وكبر الناس، وجاء كلب فولغ في دمه فقال يحيى بن عمر صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر حديثا عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يلغ الكلب في دم مسلم) وقال
__________
(قوله الطليطلى) بضم الطائين وفتح اللام الأولى وكسر الثانية (قوله وختن حيدرة) في الصحاح الختن كل من كان من المرأة مثل الأب والأخ وعند العامة ختن الرجل زوج ابنته.
وحيدرة بفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية الأسد.
والمراد هنا على بن أبى طالب فان أمه فاطمة بنت أسد سمته في أول ولادته باسم أبيها وكان أبو طالب غائبا فلما قدم سماه عليا فغلب على تسمية أبى طالب وفى صحيح مسلم من إنشاد على * أنا الذى سمتن أمي حيدره * (قوله لا يلغ) بفتح أوله وثانيه ويقال ولغ بفتح اللام وكسرها يلغ بفتح اللام (*)

(2/218)


--------------------------------------------------------------------------------

القاضى أبو عبد الله بن المرابط: (من قال إن النبي صلى الله عليه وسلم القاضى أبو عبد الله بن المرابط: (من قال إن النبي صلى الله عليه وسلم هزم يستتاب فإن تاب وإلا قتل لا أنه تنقص إذ لا يجوز ذلك عليه في خاصته إذ هو على بصيرة من أمره ويقين من عصمته، وقال حبيب بن ربيع القروى: مذهب مالك وأصحابه أن من قال فيه صلى الله عليه وسلم ما فيه نقص قتل دون استتابة، وقال ابن عتاب: الكتاب والسنة موجبان أن من قصد النبي صلى الله عليه وسلم بأذى أو نقص معرضا أو مصرحا وإن قل فقتله واجب، فهذا الباب كله مما عده العلماء سبا أو تنقصا يجب قتل قائله لم يختلف في ذلك متقدمهم ولا متأخرهم وإن اختلفوا في حكم قتله عى ما أشرنا إليه ونبينه بعد وكذلك أقول حكم من غمصه أو غيره برعاية الغنم أو السهو أو النسيان أو السحر أو ما أصابه من
جرح أو هزيمة لبعض جيوشه أو أذى من عدوه أو شدة من زمنه أو بالميل إلى نسائه فحكم هذا كله لمن قصد به نقصه القتل وقد مضى من مذاهب العلماء في ذلك ويأتى ما يدل عليه.
فصل في الحجة في إيجاب قتل من سبه أو عابه صلى الله عليه وسلم فمن القرآن لعنه الله تعالى لمؤذيه في الدنيا والآخرة وقرانه تعالى أذاه بأذاه ولا خلاف في قتل من سب الله وأن اللعن إنما يستوجبه من هو كافر وحكم الكافر القتل فقال (إن الذين يؤذون الله ورسوله) الآية وقال في قاتل المؤمن مثل ذلك فمن لعنته في الدنيا القتل قال الله تعالى

(2/219)


--------------------------------------------------------------------------------

(ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتولا تقتيلا) وقال في المحاربين وذكر عقوبتهم (ذلك لهم خزى في الدنيا) وقد يقع القتل بمعنى اللعن قال (قتل الخراصون) و (قاتلهم الله أنى يؤفكون) أي لعنهم الله ولأنه فرق بين أذاهما وأذى المؤمنين وفى أذى المؤمنين ما دون القتل من الضرب والنكال فكان حكم مؤذى الله ونبيه أشد من ذلك وهو القتل وقال الله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) الآية فسلب اسم الإيمان عمن وجد في صدره حرجا من قضائه ولم يسلم له ومن تنقصه فقد ناقض هذا وقال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي - إلى قوله - أن تحبط أعمالكم) ولا يحبط العمل إلا الكفر والكافر يقتل وقال الله تعالى (وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله) ثم قال (حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير) وقال تعالى (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن) ثم قال (والذين يؤذون الرسول الله لهم عذاب
أليم) وقال تعالى (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نحوذ ونلعب) إلى قوله (قد كفرتم بعد إيمانكم) قال أهل التفسير كفرتم بقولكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما الإجماع فقد ذكرناه وأما الآثار فحدثنا الشيخ أبو عبد الله أحمد بن محمد بن غلبون عن الشيخ أبى ذر الهروي إجازة قال حدثنا أبو الحسن الدارقطني وأبو عمر بن حيوية حدثنا محمد بن نوح حدثنا عبد العزيز بن محمد بن الحسن بن زبالة حدثنا
__________
(قوله ابن زبالة) بفتح الزاى وتخفيف الموحدة (*)

(2/220)


--------------------------------------------------------------------------------

عبد الله بن موسى بن جعفر عن على بن موسى عن أبيه عن جده عن محمد بن على بت الحسين عن أبيه عن الحسين بن على عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من سب نبيا فاقتلوه ومن سب أصحابي فاضربوه) * وفى الحديث الصحيح أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل كعب ابن الأشرف وقوله: (من لكعب بن الأشرف فإنه يؤذى الله ورسوله) ووجه إليه من قتله غيلة دون دعوة بخلاف غيره من المشركين وعلل بأذاه له فدل أن قتله إياه لغير الإشراك بل للأذى وكذلك قتل أبا رافع، قال البراء وكان يؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعين عليه وكذلك أمره يوم الفتح بقتل ابن خطل وجاريتيه اللتين كانتا تغنيان بسبه صلى الله عليه وسلم * وفى حديث آخر أن رجلا كان يسبه صلى الله عليه وسلم فقال (من يكفيني عدوى ؟) فقال خالد أنا فبعثه النبي صلى الله عليه وسلم فقتله وكذلك أمر بقتل جماعة ممن كان يؤذيه من الكفار ويسبه كالنضر بن الحارث وعقبة بن أبى معيط وعهد بقتل جماعة منهم قبل الفتح وبعده فقتلوا إلا من بادر بإسلامه قبل القدرة عليه
وقد روى البزار عن ابن عباس أن عقبة بن أبى معيط نادى يا معاشر قريش مالى أقتل من بينكم صبرا ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (بكفرك وافترائك على رسول الله صلى الله عليه وسلم) وذكر عبد الرزاق أن النبي صلى الله عليه وسلم سبه رجل فقال (من يكفيني عدوى ؟ فقال
__________
(قوله غيلة) بكسر الغين المعجمة (*)

(2/221)


--------------------------------------------------------------------------------

الزبير: أنا، فبارزه فقتله الزبير.
وروى أيضا أن امرأة كانت تسبه صلى الله عليه وسلم فقال (من يكفيني عدوتى ؟) فخرج إليها خالد بن الوليد فقتلها، وروى أن رجلا كذب على النبي صلى الله عليه وسلم فبعث عليا والزبير إليه ليقتلاه، وروى ابن قانع أن رجلا جاء إلى النبي صلى القه عليه وسلم فقال يا رسول الله سمعت أبى يقول فيك قولا قبيحا فقتله فلم يشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، وبلغ المهاجر بن أبى أمية أمير اليمن لأبى بكر رضى الله عنه أن امرأة هناك في الردة غنت بسب النبي صلى الله عليه وسلم فقطع يدها ونزع ثنيتها فبلغ أبا بكر رضى الله عنه ذلك فقال له لولا ما فعلت لأمرتك بقتلها لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود وعن ابن عباس هجت امرأة من خطمة النبي صلى الله عليه وسلم فقال (من لى بها ؟) فقال رجل من قومها أنا يا رسول الله فنهض فقتلها فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال (لا ينتطح فيها عنزان) وعن أبى عباس أن أعمى كانت له أم ولد تسب النبي صلى الله عليه وسلم فيزجرها فلا تنزجر فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي صلى الله عليه وسلم وتشتمه فقتلها وأعلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فأهدر دمها، وفى حديث أبى برزة الأسلمي كنت يوما جالسا عند أبى بكر الصديق فغضب على رجل من المسلمين
وحكى القاضى إسماعيل وغير واحد من الأئمة في هذا الحديث أنه سب أبا بكر ورواه النسائي: أتيت أبا بكر وقد أغلظ لرجل فرد عليه قال فقلت
__________
(قوله ولا ينتطح فيها عنزان) أي لا يجرى فيها خلف ولا نزاع (قوله أبى برزة) بموحدة مفتوحة وراء ساكنة بعدها زاى اسمه فضلة بن عبيد على الصحيح (*)

(2/222)


--------------------------------------------------------------------------------

يا خليفة رسول الله دعني أضرب عنقه فقال: اجلس فليس ذلك لأحد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال القاضى أبو محمد بن نصر ولم يخالف عليه أحد، فاستدل الأئمة بهذا الحديث على قتل من أغضب النبي صلى الله عليه وسلم بكل ما أغضبه أو آداه أو سبه ومن ذلك كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عامله بالكوفة وقد استشاره في قتل رجل سب عمر رضى الله عنه فكتب إليه عمر: إنه لا يحل قتل امرئ مسلم بسب أحد من الناس إلا رجلا سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن سبه فقد حل دمه، وسأل الرشيد مالكا في رجل شتم النبي صلى الله عليه وسلم وذكر له أن فقهاء العراق أفتوه بجلده فغضب مالك وقال: يا أمير المؤمنين ما بقاء الأمة بعد شتم نبيها ؟ من شتم الأنبياء قتل ومن شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جلد.
قال القاضى أبو الفضل: كذا وقع في هذه الحكاية رواها غير واحد من أصحاب مناقب مالك ومؤلفي أخباره وغيرهم ولا أدرى من هؤلاء الفقهاء بالعراق الذين أفتوا الرشيد بما ذكر وقد ذكرنا مذهب العراقيين بقتله ولعلهم ممن لم يشهر بعلم أو من لا يوثق بفتواه أو يميل به هواه أو يكون ما قاله يحمل على غير السب فيكون الخلاف هل هو سب أو غير سب أو يكون رجع وتاب عن سبه فلم يقله لمالك على أصله وإلا فالإجماع على قتل من سبه كما قدمناه ويدل على قتله من
جهة النظر والاعتبار أن من سبه أو تنقصه صلى الله عليه وسلم فقد ظهرت علامة مرض قلبه وبرهان سرطويته وكفره، ولهذا ما حكم له كثير من


شاركنا رايك عبر الفيس بوك

بهاء الالوسي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
تصرف وجوه الأحكام فيمن تنقصه أو سبه عليه الصلاة والسلام3 بهاء الالوسي المعجزات النبوية 2 08-02-2012 03:02 AM
تصرف وجوه الأحكام فيمن تنقصه أو سبه عليه الصلاة والسلام2 بهاء الالوسي المعجزات النبوية 0 07-27-2012 04:36 PM
ثمرات الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام سلطان الرفاعي خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم 1 10-21-2011 03:56 PM
وصف الحبيب عليه الصلاة والسلام أمل المدينة النبوية خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم 1 12-20-2009 11:12 AM
بلاغته عليه الصلاة والسلام أمل المدينة النبوية خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم 0 12-20-2009 10:48 AM

Facebook Comments by: ABDU_GO - شركة الإبداع الرقمية