مشروح حفظ النعمة بالمدينة المنورة 
 عدد الضغطات  : 2053
معرض أنا المدينة 
 عدد الضغطات  : 2346

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 07-27-2012, 04:36 PM   #1
بهاء الالوسي
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Jul 2011
المشاركات: 498
معدل تقييم المستوى: 6
بهاء الالوسي is on a distinguished road
افتراضي تصرف وجوه الأحكام فيمن تنقصه أو سبه عليه الصلاة والسلام2

العلماء بالردة وهى رواية الشاميين عن مالك والأوزاعي وقول الثوري وأبى حنيفة والكوفيين والقول الآخر أنه دليل على الكفر فيقتل حدا وإن لم يحكم له بالكفر إلا أن يكون متماديا على قوله غير منكر له ولا مقلع عنه فهذا كافر، وقوله إما صريح كفر كالتكذيب ونحوه أو من كلمات الاستهزاء والذم فاعترافه بها وترك توبته عنها دليل استحلاله لذلك وهو كفر أيضا فهذا كافر بلا خلاف قال الله تعالى في مثله (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم) قال أهل التفسير هي قولهم إن كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من الحمير وقيل بل قول بعضهم ما مثلنا ومثل محمد إلا قول القائل سمن كلبك يأكلك و (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) وقد قيل إن قائل مثل هذا إن كان مستترا به أن حكمه حكم الزنديق يقتل ولأنه قد غير دينه وقد قال صلى الله عليه وسلم (من غير دينه فاضربوا عنقه) ولأن لحكم النبي صلى الله عليه وسلم في الحرمة مزية على امته وساب الحر من أمته يحد فكانت العقوبة لمن سبه صلى الله عليه وسلم القتل لعظيم قدره وشفوف منزلته على غيره
فصل فإن قلت فلم لم يقتل النبي صلى الله عليه وسلم اليهودي الذى قال له السام عليكم وهذا دعاء عليه ولا قتل الآخر الذى قال له إن هذه لقسمة
__________
(قوله وشفوف) بضم الشين المعجمة وتخفيف الفاء أي فضل منزلته (*)

(2/224)


--------------------------------------------------------------------------------

ما أريد بها وجه الله وقد تأذى النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك وقال قد أوذى موسى بأكثر من هذا فصبر ولا قتل المنافقين الذين كانوا يؤذونه في أكثر الأحيان ؟ فاعلم وفقنا الله وإياك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول الإسلام يستألف عليه الناس ويميل قلوبهم ويميل إليه ويجيب إليهم الإيمان ويزينه في قلوبهم ويدارئهم ويقول لأصحابه إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا منفرين ويقول (يسروا ولا تعسروا وسكنوا ولا تنفروا) ويقول (لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه) وكان صلى الله عليه وسلم يدارى الكفار والمنافقين ويجمل صحبتهم ويغضى عنهم ويحتمل من أذاهم ويصبر على جفائهم ما لا يجوز لنا اليوم الصبر لهم عليه وكان يرفقهم بالعطاء والإحسان وبذلك أمره الله تعالى فقال تعالى (ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين) وقال تعالى (ادفع بالتى هي أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم) وذلك لحاجة الناس للتألف أول الإسلام وجمع الكلمة عليه فلما استقر وأظهره الله على الدين كله قتل من قدر عليه واشتهر أمره كفعله بابن خطل ومن عهد بقتله يوم الفتح ومن أمكنه قتله غيلة من يهود وغيرهم أو غلبة ممن لم ينظمه قبل سلك صحبته والانحراط في جملة مظهرى الإيمان به ممن كان يؤذيه كابن
__________
(قوله ويرفقهم بالعطاء) في الصحاح الرفق ضد العنف وقد رفق به يرفق.
وحكى أبو زيد رفقت به بمعنى (15 - 2) (*)

(2/225)


--------------------------------------------------------------------------------

الأشرف وأبى رافع والنظر وعقبة وكذلك ندر دم جماعة سواهم ككعب ابن زهير وابن زبعر وغيرهما ممن آذاه حتى ألقوا بأيديهم ولقوه مسلمين وبواطن المنافقين مستترة وحكمه صلى الله عليه وسلم على الظاهر وأكثر تلك الكلمات إنما كان يقولها القائل منهم خفية ومع أمثاله ويحلفون عليها إذا نميت وينكرونها ويحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكان مع هذا يطمع في فيأتهم ورجوعهم إلى الإسلام وتوبتهم فيصبر صلى الله عليه وسلم على هناتهم وجفوتهم كما صبر أولو العزم من الرسل حتى فاء كثير منهم باطنا كما فاء ظاهرا وأخلص سرا كما أظهر جهرا ونفع الله بعد بكثير منهم وقام منهم للدين وزراء وأعوان وحماة وأنصار كما جاءت به الأخبار وبهذا أجاب بعض أئمتنا رحمهم الله عن هذا السؤال قال ولعله لم يثبت عنده صلى الله عليه وسلم من أقوالهم ما رفع وإنما نقله الواحد ومن لم يصل رتبة الشهادة في هذا الباب من صبى أو عبد أو امرإة والدماء لا تستباح إلا بعدلين وعلى هذا يحمل أمر اليهودي في السلام وأنهم لووا به ألسنتهم ولم يبينوه ألا ترى كيف نبهت عليه عائشة ولو كان صرح بذلك لم تنفرد بعلمه ولهذا نبه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على فعلهم وقلة صدقهم في فعلهم وقلة صدقهم في
__________
(قوله وابن الزبعرى) بكسر الزاى وفتح الموحدة وسكون العين المهملة والقصر في الأصل السيئ الخلق، وقال أبو عبيدة: الكثير شعر الوجه والحاجبين واللحيين (قوله فيأتهم) أي رجوعهم (قوله حتى فاء) بالمد: أي رجع (*)

(2/226)


--------------------------------------------------------------------------------

سلامهم وخيانتهم في ذلك ليا بألسنتهم وطعنا في الدين فقال إن اليهود إذا سلم أحدهم فإنما يقول السام عليكم فقولوا عليكم وكذلك قال بعض
أصحابنا البغداديين إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل المنافقين بعلمه فيهم ولم يأت أنه قامت بينة على نفاقهم فلذلك تركهم وأيضا فإن الأمر كان سرا وباطنا وظاهرهم الإسلام والإيمان وإن كان من أهل الذمة بالعهد والجوار والناس قريب عهدهم بالإسلام لم يتميز بعد الخبيث من الطيب وقد شاع عن المذكورين في العرب كون من يتهم بالنفاق من جملة المؤمنين وصحابة سيد المرسلين وأنصار الدين بحكم ظاهرهم فلو قتلهم النبي صلى الله عليه وسلم لنفاقهم وما يبدر منهم وعلمه بما أسروا في أنفسهم لوجد المنفر ما يقول ولا ارتبا الشارد وأرجف المعاند وارتاع من صحبة النبي صلى الله عليه وسلم والدخول في الإسلام غير واحد ولزعم الزاعم وظن العدو الظالم أن القتل إنما كان للعداوة وطلب أخذ الترة وقد رأيت معنى ما حررته منسوبا إلى مالك بن أنس رحمه الله ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، وقال أولئك الذين نهانى الله عن قتلهم وهذا بخلاف إجراء الأحكام الظاهرة عليهم من حدود الزنا والقتل وشبهه لظهورها واستواء الناس في علمها وقد قال محمد بن المواز لو أظهر المنافقون نفاقهم لقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقاله القاضى أبو الحسن بن القصار، وقال قتادة في تفسير
__________
(قوله أخذ الترة) بكسر المثناة الفوقفية وتره يتره ترة إذا لم يدرك دم قتيله (*)

(2/227)


--------------------------------------------------------------------------------

قوله تعالى: (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله) الآية، قال معناه إذا أظهروا النفاق، وحكى محمد بن مسلمة في المبسوط عن زيد بن أسلم أن قوله
تعالى (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) نسخها ما كان قبلها وقال بعض مشايخنا لعل القائل هذه قسمة ما أريد بها وجه الله وقوله اعدل لم يفهم النبي صلى الله عليه وسلم منه اطعن عليه والتهمة له وإنما رآها من وجه الغلط في الرأى وأمور الدنيا والاجتهاد في مصالح أهلها فلم ير ذلك سبا ورأى أنه من الأذى الذى له العفو عنه والصبر عليه فلذلك لم يعاقبه وكذلك يقال في اليهود إذ قالوا السام عليكم ليس فيه صريح سب ولا دعاء إلا بما لا بد منه من الموت الذى لا بد من لحاقه جميع البشر وقيل بل المراد ؟ ؟ ؟ لون دينكم والسأم والسآمة الملال وهذا دعاء على سآمة الدين ليس بصريح سب ولهذا ترجم البخاري على هذا الحديث (باب إذا عرض الذمي أو غيره بسب النبي صلى الله عليه وسلم) قال بعض علمائنا وليس هذا بتعريض بالسب وإنما هو تعريض بالأذى قال القاضى أبو الفضل قد قدمنا أن الأذى والسب في حقه صلى الله عليه وسلم سواء وقال القاضى أبو محمد بن نصر مجيبا عن هذا الحديث ببعض ما تقدم ثم قال ولم يذكر
__________
(قوله نسخها ما كان قبلها) كذا في كثير من النسخ والصواب ما في بعضها وهو (نسخت ما كان قبلها) لأن الناسخ لا يكون قبل المنسوخ (قوله فلم ير ذلك سبا) بالسين المهملة والموحدة المشددة وفى بعض النسخ شيئا بالمعجمة والهمزة (*)

(2/228)


--------------------------------------------------------------------------------

في الحديث هل كان هذا اليهودي من أهل العهد والذمة أو الحرب ولا يترك موجب الأدلة للأمر المحتمل والأولى في ذلك كله والأظهر من هذه الوجوه مقصد الاستئلاف والمداراة على الدين لعلهم يؤمنون ولذلك ترجم البخاري على حديث القسمة والخوارج (باب من ترك قتال الخوارج
للتألف ولئلا ينفر الناس عنه) ولما ذكرنا معناه عن مالك وقررناه قبل وقد صبر لهم صلى الله عليه وسلم على سحره وسمه وهو أعظم من سبه إلى أن نصره الله عليهم وأذن له في قتل من حينه منهم وإنزالهم من صياصبهم وقذف في قلوبهم الرعب وكتب على من شاء منهم الجلاء وأخرجهم من ديارهم وخرب بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين وكاشفهم بالسب فقال يا إخوة القردة والخنازير وحكم فيهم سيوف المسلمين وأجلاهم من جوارهم وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى فإن قلت فقد جاء في الحديث الصحيح عن عائشة رضى الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم (ما انتقم لنفسه في شئ يؤتى إليه قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله) فاعلم أن هذا لا يقتضى أنه لم ينتقم ممن سبه أو آذاه أو كذبه فإن هذه من حرمات الله التى انتقم لها وإنما يكون ما لا ينتقم منه له فيما تعلق بسوء أدب أو معاملة من القول والفعل بالنفس والمال مما لم يقصد فاعله به أذاه لكن مما جبلت عليه
__________
(قوله من حينه) بمهملة مفتوحة ومثناة تحتية مشددة ونون أي أراد هلاكه من الحين بفتح المهملة وهو الهلاك (قوله من صياصهم) أي حصونهم (*)

(2/229)


--------------------------------------------------------------------------------

الأعراب من الجفاء والجهل أو جبل عليه البشر من السفه كجبذ الأعرابي إزاره حتى أثر في عنقه وكرفع صوت الآخر عنده وكجحد الأعرابي شراءه منه فرسه التى شهد فيها خزيمة وكما كان من تظاهر زوجيه عليه وأشباه هذا مما يحسن الصفح عنه وقد قال بعض علمائنا أن أذى النبي صلى الله عليه وسلم حرام لا يجوز بفعل مباح ولا غيره وأما غيره فيجوز بفعل مباح مما يجوز للانسان فعله وإن تأذى به غيره واحتج بعموم قوله
تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة) وبقوله صلى الله عليه وسلم في حديث فاطمة (إنما بضعة منى يؤذيني ما يؤذيها ألا وإنى لا أحرم ما أحل الله ولكن لا تجتمع ابنة رسول الله وابنة عدو الله عند رجل أبدا) أو يكون هذا مما آذاه به كافر رجا بعد ذلك إسلامه كعفوه عن اليهودي الذى سحره وعن الأعرابي الذى أراد قتله وعن اليهودية التى سمته وقد قيل قتلها ومثل هذا مما يبلغه من أذى أهل الكتاب والمنافقين فصفح عنهم رجاء استئلافهم واستئلاف غيرهم كما قررناه قبل وبالله التوفيق
__________
(قوله كجبذ الأعرابي إزاره) قال المزى لا يصح أن يكون للإزار ذكر هنا لأن الإزار ما يتزر به الإنسان في وسطه والرداء ما يجعله على عاتقه وأكتافه والرواية في الحديث بردائه ويقع ذلك في بعض النسخ (قوله زوجيه) بمثناة تحتية ساكنة (*)

(2/230)


--------------------------------------------------------------------------------

فصل قال القاضى تقدم الكلام في قتل القاصد لسبه والإزراء به وغمصه بأى وجه كان من ممكن أو محال فهذا وجه بين لا إشكال فيه * الوجه الثاني لا حق به في البيان والجلاء وهو أن يكون القائل لما قال في جهته صلى الله عليه وسلم غير قاصد للسب والإزراء ولا معتقد له ولكنه تكلم في جهته صلى الله عليه وسلم بكلمة الكفر من لعنه أو سبه أو تكذيبه أو إضافة ما لا يجوز عليه أو نفى ما يجيب له مما هو في حقه صلى الله عليه وسلم نقيصة مثل أن ينسب إليه إتيان كبيرة أو مداهنة في تبليغ الرسالة أو في حكم بين الناس أو يغض من مرتبته أو شرف نسبه أو وفور علمه أو زهده أو يكذب بما اشتهر من أمور أخبر بها صلى الله عليه وسلم وتواتر الخبر بها عن قصد لرد خبره أو يأتي بسفه من القول أو قبيح من الكلام ونوع من السب في جهته وإن ظهر بدليل حاله أنه لم يعتمد ذمه ولم يقصد سبه إما لجهالة حملته على ما قاله أو لضجر أو سكر اضطره إليه أو قلة مراقبة وضبط للسانه.
وعجرفة وتهور في كلامه فحكم هذا الوجه حكم الوجه الأول القتل دون تلعثم إذ لا يعذر أحد في الكفر بالجهالة ولا بدعوى زلل اللسان ولا بشئ مما ذكرناه إذا
__________
(قوله أو لضجر) أي لقلق (قوله وعجرفة) في الصحاح جمل به تعجرف وعجرفة كان فيه خرقا وقلة مبالاة لسرعته (قوله وتهور في كلامه) التهور الوقوع في الشئ بقلة مبالاة (قوله دون تلعثم) في الصحاح تلعثم الرجل في الأمر إذا تمكث فيه (*)

(2/231)


--------------------------------------------------------------------------------

كان عقله في فطرته سليما إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان وبهذا أفتى الأندلسيون على ابن حاتم في نفيه الزهد عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الذى قدمناه وقال محمد بن سحنون في المأمور يسب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في أيدى العدو يقتل إلا أن يعلم تبصره أو إكراهه وعن أبى محمد ابن أبى زيد لا يعذر بدعوى زلل اللسان في مثل هذا وأفتى أبو الحسن القابسى فيمن شتم النبي صلى الله عليه وسلم في سكره يقتل لأنه يظن به أنه يعتقد هذا ويفعله في صحوه وأيضا فإنه حد لا يسقطه السكر كالقذف والقتل وسائر الحدود لأنه أدخله على نفسه لأن من شرب الخمر على علم من زوال عقله بها وإتيان ما ينكر منه فهو كالعامد لما يكون بسببه وعلى هذا ألزمناه الطلاق والعتاق والقصاص والحدود ولا يعترض على هذا بحديث حمزة وقوله للنبى صلى الله عليه وسلم وهل أنتم إلا عبيد لأبى قال فعرف النبي صلى
الله عليه وسلم أنه ثمل فانصرف لأن الخمر كانت حينئذ غير محرمة فلم يكن في جناياتها إثم وكان حكم ما يحدث عنها معفوا عنه كما يحدث من النوم وشرب الدواء المأمون
فصل الوجه الثالث أن يقصد إلى تكذيبه فيما قاله أو أتى به أو وجوده أو يكفر أو ينفى نبوته أو رسالته به انتقل بقوله ذلك إلى دين آخر غير
__________
ثمل بفتح المثلثة وكسر الميم: أي سكران، يقال ثمل الرجل بالكسر، ثملا: إذا أخذ فيه الشراب.
(*)

(2/232)


--------------------------------------------------------------------------------

ملته أم لا ؟ فهذا كافر بإجماع يجب قتله ثم ينظر فإن كان مصرحا بذلك كان حكمه أشبه بحكم المرتد وقوى الخلاف في استتابته وعلى القول الآخر لا تسقط القتل عنه توبته لحق النبي صلى الله عليه وسلم إن كان ذكره بنقيصة فيما قاله من كذب أو غيره وإن كان متسترا بذلك فحكمه حكم الزنديق لا تسقط قتله التوبة عندنا كما سنبينه قال أبو حنيفة وأصحابه من برئ من محمد أو كذب به فهو مرتد حلال الدم إلا أن يرجع وقال ابن القاسم في المسلم إذا قال إن محمدا ليس بنبى أو لم يرسل أو لم ينزل عليه قرآن وإنما هو شئ تقوله يقتل وقال ومن كفر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنكره من المسلمين فهو بمنزلة المرتد وكذلك من أعلن بتكذيبه أنه كالمرتد يستتاب وكذلك قال فيمن تنبأ وزعم أنه يوحى إليه وقاله سحنون وقال ابن القاسم دعا إلى ذلك أو جهرا وقال أصبغ وهو كالمرتد لأنه قد كفر بكتاب الله مع الفرية على الله وقال أشهب في يهودى تنبأ أو زعم أنه
أرسل إلى الناس أو قال بعد نبيكم نبى أنه يستتاب إن كان معلنا بذلك فإن تاب وإلا قتل وذلك لأنه مكذب للنبى صلى الله عليه وسلم في قوله لا نبى بعدى مفتر على الله في دعواه عليه الرسالة والنبوة، وقال محمد بن سحنون من شك في حرف مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم عن الله فهو كافر جاحد، وقال: من كذب النبي صلى الله عليه وسلم كان حكمه عند

(2/233)


--------------------------------------------------------------------------------

الأمة القتل، وقال أحمد بن أبى سليمان صاحب سحنون: من قال إن النبي صلى الله عليه وسلم أسود قتل.
لم يمكن النبي صلى الله عليه وسلم بأسود وقال نحوه أبو عثمان الحداد قال: لو قال إنه مات قبل أن يلتحى أو أنه كان بناهرت ولم يكن بتهامة قتل لأن هذا نفى قال حبيب بن ربيع تبديل صفته ومواضعه كفر والمظهر له كافر وفيه الاستتابة والمسر له زنديق يقتل دون استتابة
فصل الوجه الرابع أن يأتي من الكلام بمجمل ويلفظ من القول بمشكل يمكن حمله على النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره أو يتردد في المراد به من سلامته من المكروه أو شره فههنا متردد النظر وحيرة العبر ومظنة اختلاف المجتهدين ووقفة استبراء المقلدين ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حى عن بينة فمنهم من غلب حرمة النبي صلى الله عليه وسلم وحمى حمى عرضه فجسر على القتل ومنهم من عظم حرمة الدم
__________
ثمل الرجل بالكسر ثملا إذا أخذ فيه الشراب (قوله بتهامة) بكسر الفوقية اسم لكل ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز ومكة من التهم بفتح التاء والهاء وهو شدة الحر وركود اللريح وقال ابن قرقول سميت بذلك لتغير هوائها يقال تهم الرهن إذا تغير
(قوله متردد) بفتح الراء والدال الأولى المشددة (قوله وحيرة العبر) الحيرة بفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية والعبر بكسر العين المهملة وفتح الموحدة (قوله ومظنة) بفتح الميم وكسر الظاء المعجمة وتشديد النون، في الصحاح مظنة الشئ موضعه ومألفه الذى يظن كونه فيه (*)

(2/234)


--------------------------------------------------------------------------------

ودرأ الحد بالشبهة لاحتمال القول وقد اختلف أئمتنا في رجل أغضبه غريمه فقال له صل على محمد صلى الله عليه وسلم فقال له الطالب لا صلى الله على من صلى عليه فقيل لسحنون هل هو كمن شتم النبي صلى الله عليه وسلم أو شتم الملائكة الذين يصلون عليه ؟ قال: لا إذا كان على ما وصفت من الغضب لأنه لم يكن مضمرا الشتم، وقال أبو إسحاق البرقى وأصبغ بن الفرج لا يقتل لأنه إنما شتم الناس وهذا نحو قول سحنون لأنه لم يعذره بالغضب في شتم النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه لما احتمل الكلام عنده ولم تكن معه قرينة تدل على شتم النبي صلى الله عليه وسلم أو شتم الملائكة صلوات الله عليهم ولا مقدمة يحمل عليها كلامه بل القرينة تدل على أن مراده الناس غير هؤلاء لأجل قول الآخر له صلى على النبي فحمل قوله وسبه لمن يصلى عليه الآن لأجل أمر الآخر له بهذا عند غضبه هذا معنى قوله سحنون وهو مطابق لعلة صاحبيه وذهب الحارث بن مسكين القاضى وغيره في مثل هذا لإلى القتل وتوقف أبو الحسن القابسى في قتل رجل قال كل صاحب فندق قرنان ولو كان نبيا مرسلا فأمر بشدة بالقيود والتضييق عليه حتى يستفهم البينة عن جملة ألفاظه وما يدل على مقصده هل أراد أصحاب الفنادق الآن فمعلوم أنه ليس فيهم نبى مرسل فيكون أمره أخف قال ولكن
ظاهر لفظه العموم لكل صاحب فندق من المتقدمين والمتأخرين

(2/235)


--------------------------------------------------------------------------------

وقد كان فيمن تقدم من الأنبياء والرسل من اكتسب المال قال ودم المسلم لا يقدم عليه إلا بأمر بين وما ترد إليه التأويلات لا بد من إمعان النظر فيه هذا معنى كلامه وحكى عن أبى محمد بن أبى زيد رحمه الله فيمن قال لعن الله العرب ولعن الله بنى إسرائيل ولعن الله بنى آدم وذكر أنه لم يرد الأنبياء وإنما أردت الظالمين منهم أن عليه الأدب بقدر اجتهاد السلطان وكذلك أفتى فيمن قال: لعن الله من حرم المسكر وقال لم أعلم من حرمه وفيمن لعن حديث لا يبع حاضر لباد ولعن ما جاء به أنه إن كان يعذر بالجهل وعدم معرفة السنن فعليه الأدب الوجيع وذلك أن هذا لم يقصد بظاهر حاله سب الله ولا سب رسوله وإنما لعن من حرمه من الناس على نحو فتوى سحنون وأصحابه في المسألة المتقدمة ومثل هذا ما يجرى في كلام سفهاء الناس من قوله بعضهم لبعض - يا ابن ألف خنزير، ويا ابن مائة كلب - وشبهه من هجر القول ولا شك أنه يدخل في مثل هذا العدد من آبائه وأجداده جماعة من الأنبياء ولعل بعض هذا العدد منقطع إلى آدم عليه السلام فيبلغني الزجر عنه وتبيين ما جهل قائله منه وشدة الأدب فيه ولو علم أنه قصد سب من في آبائه من الأنبياء على علم لقتل وقد يضيق القول في نحو هذا لو قال لرجل هاشمى لعن الله بنى هاشم، وقال: أردت الظالمين منهم أو قال لرجل من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم قولا قبيحا في آبائه أو من نسله أو ولده على علم منه أنه من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم ولم تكن

(2/236)


--------------------------------------------------------------------------------

قرينة في المسألتين تقتضي تخصيص بعض آبائه وإخراج النبي صلى الله عليه وسلم ممن سبه منهم وقد رأيت لأبى موسى بن مناس فيمن قال لرجل لعنك الله إلى آدم عليه السلام أنه إن ثبت عليه ذلك قتل قال القاضى وفقه الله وقد كان اختلف شيوخنا فيمن قال لشاهد شهد عليه بشئ ثم قال له تتهمنى ؟ فقال له الآخر: الأنبياء يتهمون فكيف أنت ؟ فكان شيخنا أبو إسحاق بن جعفر يرى قتله لبشاعة ظاهر اللفظ وكان القاضى أبو محمد بن منصور يتوقف عن القتل الاحتمال اللفظ عنده أن يكون خبرا عمن اتهمهم من الكفار وأفتى فيها قاضى قرطبة أبو عبد الله بن الحاج بنحو من هذا وشدد القاضى أبو محمد تصفيده وأطال سجنه ثم استحلفه بعد على تكذيب ما شهد به عليه إذ دخل في شهادة بعض من شهد عليه وهن ثم أطلقه وشاهدت شيخنا القاضى أبا عبد الله بن عيسى أيام قضائه أتى برجل هاتر رجلا اسمه محمد ثم قصد إلى كلب فضربه برجله وقال له: قم يا محمد فأنكر الرجل أن يكون قال ذلك وشهد عليه لفف من الناس فأمر به إلى السجن وتقصى عن حاله وهل يصحب من يستراب بدينه فلما لم يجد ما يقوى الريبة باعتقاده ضربه بالسوط وأطلقه
__________
(قوله ابن مناس) بفتح الميم وتخفيف النون وفى آخره سين مهملة (قوله هاتر رجلا) أي فاتحه في القول من الهترة وهو الباطل والسقط من الكلام (قوله لفيف من الناس) أي ما اجتمع من الناس من قبائل شتى (*)

(2/237)


--------------------------------------------------------------------------------

فصل الوجه الخامس أن لا يقصد نقصا ولا يذكر عيبا ولا سبا لكنه ينزع بذكر بعض أوصافه أو يستشهد ببعض أحواله صلى الله عليه وسلم الجائزة عليه في الدنيا على طريق ضرب المثل والحجة لنفسه أو لغيره أو على التشبه به أو عند هضيمة نالته أو غضاضة لحقته ليس على طريق التأسي وطريق التحقيق بل على مقصد الترفيع لنفسه أو لغيره أو على سبيل التمثيل وعدم التوقير لنبيه صلى الله عليه وسلم أو قصد الهزل والتنذير بقوله كقول القائل إن قيل في السوء فقد قيل في النبي أو إن كذبت فقد كذب الأنبياء أو إن أذنبت فقد أذنبوا أو أنا أسلم من ألسنة الناس ولم يسلم منهم أنبياء الله ورسله أو قد صبرت كما صبر أولو العزم أو كصبر أيوب أو قد صبر نبى الله عن عداه وحلم على أكثر مما صبرت وكقول المتنى: أنا في أمة تداركها الله غريب كصالح في ثمود


شاركنا رايك عبر الفيس بوك

بهاء الالوسي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
تصرف وجوه الأحكام فيمن تنقصه أو سبه عليه الصلاة والسلام3 بهاء الالوسي المعجزات النبوية 2 08-02-2012 03:02 AM
تصرف وجوه الأحكام فيمن تنقصه أو سبه عليه الصلاة والسلام1 بهاء الالوسي المعجزات النبوية 0 07-27-2012 04:34 PM
ثمرات الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام سلطان الرفاعي خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم 1 10-21-2011 03:56 PM
وصف الحبيب عليه الصلاة والسلام أمل المدينة النبوية خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم 1 12-20-2009 11:12 AM
بلاغته عليه الصلاة والسلام أمل المدينة النبوية خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم 0 12-20-2009 10:48 AM

Facebook Comments by: ABDU_GO - شركة الإبداع الرقمية