مشروح حفظ النعمة بالمدينة المنورة 
 عدد الضغطات  : 2959
معرض أنا المدينة 
 عدد الضغطات  : 3291

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 07-27-2012, 03:38 PM   #1
بهاء الالوسي
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Jul 2011
المشاركات: 498
معدل تقييم المستوى: 6
بهاء الالوسي is on a distinguished road
افتراضي تصرف وجوه الأحكام فيمن تنقصه أو سبه عليه الصلاة والسلام3

(قوله ولا سبا) بالسين المهملة والموحدة (قوله أو عند هضيمة) بفتح الهاء وكسر الضاد المعجمة وهى أن يهتضمك القوم شيئا أي يظلمونك أياه (قوله غضاضة) بغين معجمة وضادين معجمتين أي ذلة ومنقصة (قوله المتنبي) هو أبو الطلب أحمد بن الحسين الجعفي الكوفى ولد سنة ثلاث وثلاثمائة ونشأ بالبادية والشام ومات سنة أربع وخمسين وثلاثمائة قال السمعاني في الأنساب إنما قيل له المتنبي لأنه ادعى النبوة في بادية السماوة وتبعه كثير من كلب وغيرهم فخرج إليهم لؤلؤ أمير حمص بالأخشيدة فأسره وسجنه طويلا ثم أشهد عليه أنه تاب وكذب نفسه فيما ادعاه وأطلقه (*)

(2/238)


--------------------------------------------------------------------------------

ونحوه من أشعار المتعجرفين في القول المتساهلين في الكلام كقول المعرى كنت موسى وافته بنت شعيب * غير أن ليس فيكما من فقير
على أن آخر البيت شديد وداخل في الإزراء والتحقير بالنبي صلى الله عليه وسلم وتفضيل حال غيره عليه وكذلك قوله لولا انقطاع الوحى بعد محمد * قلنا محمد عن أبيه بديل هو مثله في الفضل إلا أنه * لم يأته برسالة جبريل فصدر البيت الثاني من هذا الفصل شديد لتشبيهه غير النبي صلى الله عليه وسلم في فضله بالنبي والعجز محتمل لوجهين أحدهما أن هذه الفضيلة نقصت الممدوح والآخر استغناؤه عنها وهذه أشد ونحو منه قول الآخر وإذا ما رفعت راياته * صفقت بين جناحى جبرين وقول الآخر من أهل العصر فر من الخلد واستجار بنا * فصبر الله قلب رضوان وكقول حسان المصيصى من شعراء الأندلس في محمد بن عباد المعروف بالمعتمد ووزيره أبى بكر بن زيدون
__________
(قوله كقول المعرى) هو أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان توفى سنة تسع وأربعين وأربعمائة بالمعرة

(2/239)


--------------------------------------------------------------------------------

كأن أبا بكر أبو بكر الرضا * وحسان حسان وأنت محمد إلى أمثال هذا وإنما أكثرنا بشاهدها مع استثقالنا حكايتها لتعريف أمثلتها ولتساهل كثير من الناس في ولوج هذا الباب الضنك واستخفافهم فادح هذا العب ء وقلة علمهم بعظيم ما فيه من الوزر وكلامهم منه بما ليس لهم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم لا سيما الشعراء وأشدهم فيه تصريحا وللسانه تسريحا ابن هانئ الأندلسى وابن سليمان المعرى بل قد خرج كثير من كلامهما إلى حد الاستخفاف والنقص وصريح الكفر وقد أجبنا عنه وغضرنا الآن الكلام في هذا الفصل الذى سقنا أمثلته فإن هذا كلها وإن لم تتضمن سبا ولا أضافت إلى الملائكة والأنبياء نقصا ولست أعنى عجزي بيتى المعرى ولا قصد قائلها إزارة وغضا فما وقر النبوة ولا عظم الرسالة ولا غزر حرمة الاصطفاء ولا عزز حظوة الكرامة حتى شبه من شبه في كرامة نالها أو معرة قصد الانتفاء منها أو ضرب مثل لتطبيب مجلسه أو إغلاء في وصف لتحسين كلامه بمن عظم الله خطره وشرف قدره وألزم توقيره وبره ونهى عن جهر
__________
(قوله الضنك) أي الضيق (قوله فادح) بالفاء وبالدال المكسورة أي شاف (قوله ابن هانئ الأندلسى) هو أبو القاسم محمد الشاعر شاعر العرب كالمتنبي في الشرق توفى سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وعمره ست وثلاثون سنة وقيل اثنان وأربعون سنة ببرقة متوجها من مصر إلى المغرب أضافه شخص فعربدوا عليه فقتلوه وقيل بل وجد مخنوقا وقيل بل نام فوجد ميتا (*)

(2/240)


--------------------------------------------------------------------------------

القول له ورفع الصوت عنده فحق هذا إن درئ عنه القتل: الأدب والسجن وقوة تعزيره بحسب شنعة مقاله ومقتضى قبح ما نطق به ومألوف عادته لمثله أو ندوره وقرينة كلامه أو ندمه على ما سبق منه ولم يزل المتقدمون ينكرون مثل هذا ممن جاء به وقد أنكر الرشيد على أبى نواس قوله فإن يك باقى سحر فرعون فيكم * فإن عصا موسى بكف خصيب وقال له يابن اللخناء أنت المستهزئ بعصا موسى وأمر بإخراجه عن عسكره من ليلته وذكر اليقتبى أن مما أخذ عليه أيضا وكفر
فيه أو قارب قوله في محمد الأمين وتشبيهه إياه بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: تنازع الأحمدان الشبه فاشتبها * خلقا وخلقا كما قد الشراكان وقد أنكروا عليه أيضا قوله كيف لا يدينك من أمل * من رسول الله من نفره
__________
(قوله على أبى نواس) هو الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن الصباح توفى سنة خمس وقيل ست وقيل ثمان وتسعين ومائة ببغداد (قوله يا بن اللخناء) لخن السقاء بالسر أي أنتن وقال ابن الأثير في حديث ابن عمر يا بن اللخناء هي المرأة التى لم تختن وقيل اللخن النتن وقد لخن السقاء يلخن انتهى (قوله في محمد الأمين) هو ابن الرشيد بن المهدى (قوله وقد أنكروا) أيضا عليه أي على أبى نواس (قوله من رسول الله) بفتح الميم (قوله من نفره) النفرة بالتحريك عدة رجال من ثلاث إلى عشرة (16 - 2) (*)

(2/241)


--------------------------------------------------------------------------------

لأن حق الرسول وموجب تعظيمه وإناقة منزلته أن يضاف إليه ولا يضاف فالحكم في أمثال هذا ما بسطناه في طريق الفتيا على هذا المنهج جاءت فتيا إمام مذهبنا مالك بن أنس رحمه الله وأصحابه في النوادر من رواية ابن أبى مريم في رجل غير رجلا بالفقر فقال: تعيرني بالفقر وقد رعى النبي صلى الله عليه وسلم الغنم فقال مالك قد عرض بذكر النبي صلى الله عليه وسلم في غير موضعه أرى أن يؤدب قال: ولا ينبغى لأهل الذنوب إذا عوتبوا أن يقولوا قد أخطأت الأنبياء قبلنا، وقال عمر بن عبد العزيز لرجل: (انظر لنا كاتبا يكون أبوه عربيا) فقال كاتب له: قد كان
أبو النبي كافرا.
فقال: (جعلت هذا مثلا) فعزله وقال: (لا تكتب لى أبدا) وقد كره سحنون أن يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم عند التعجب إلا على طريق الثواب والاحتساب توقيرا له وتعظيما كما أمرنا الله وسئل القابسى عن رجل قال لرجل قبيح كأنه وجه نكير، ولرجل عبوس كأنه وجه مالك الغضبان فقال أي شئ أراد بهذا ونكير أحد فتانى القبر وهما ملكان فما الذى أراد أروع دخل عليه حين رآه من وجهه أم عاف النظر إليه لدمامة خلقه فإن كان هذا فهو شديد لأنه جرى مجرى التحقير والتهوين فهو أشد عقوبة وليس فيه تصريح بالسب للملك
__________
(قوله لدمامة خلقه) الدمامة بتفح الدال المهملة وتخفيف الميم القبح والحلق بفتح الهاء المهملة قال المزى الدمامة بالدال المهملة في الخلق بفتح الخاء المعجمة والذمامة بالذال المعجمة في الخلق بضم الخاء المعجمة (*)

(2/242)


--------------------------------------------------------------------------------

وإنما السب واقع على المخاطب وفى الأدب بالسوط والسجن نكال للسفهاء، قال: (وأما ذاكر مالك خازن النار فقد جفا الذى ذكره عند ما أنكر حاله من عبوس الآخر إلا أن يكون المعبس له يد فيرهب بعبسته فيشبهه القائل على طريق الذم لهذا في فعليه ولزومه في ظلمه صفة مالك الملك المطيع لربه في فعله فيقول كأنه لله يغضب غضبه مالك فيكون أخف وما كان ينبغى له التعرض لمثل هذا ولو كان أثنى على العبوس بعبسته واحتج بصفة مالك كان أشد ويعاقب المعاقبة الشديدة وليس في هذا ذم للملك ولو قصد ذمه لقتل وقال أبو الحسن أيضا في شاب معروف بالخير قال لرجل شيئا فقال له الرجل اسكت فإنك أمي فقال الشاب أليس كان النبي صلى الله عليه وسلم أميا فشنع عليه مقاله وكفره الناس وأشفق الشاب مما قال وأظهر الندم عليه فقال أبو الحسن
أما إطلاق الكفر عليه فخطأ لكنه مخطئ في استشهادته بصفة النبي صلى الله عليه وسلم وكون النبي أميا آية له وكون هذا أميا نقيصة فيه وجهالة ومن جهالته احتجاجه بصفة النبي صلى الله عليه وسلم لكنه إذا استغفر وتاب واعترف ولجأ إلى الله فيترك لأن قوله: (لا ينتهى إلى حد القتل وما طريقه الأدب فطوع فاعله بالدم عليه يوجب الكف عنه ونزلت أيضا مسألة استفتى فيها بعض قضاة الأندلس شيخنا القاضى أبا محمد بن منصور رحمه الله في رجل تنقصه آخر بشئ فقال له إنما تريد

(2/243)


--------------------------------------------------------------------------------

نقضى بقولك - وأنا بشر وجميع البشر يلحقهم النقص حتى النبي صلى الله عليه وسلم - فأفتاه بإطالة سجنه وإيجاع أدبه إذ لم يقصد السب وكان بعض فقهاء الأندلس أفتى بقتله
فصل الوجه السادس أن يقول القائل ذلك حاكيا عن غيره وآثرا له عن سواه فهذا ينظر في صورة حكايته وقرينة مقالته ويختلف الحكم باختلاف ذلك على أربعة وجوه: الوجوب، والندب، والكراهة، والتحريم فإن كان أخبر به على وجه الشهادة والتعريف بقائله والإنكار والإعلام بقوله والتنفير منه والتجريح له فهذا مما ينبغى امتثاله ويحمد فاعله وكذلك إن حكاه في كتاب أو في مجلس على طريق الرد له والنقض على قائله والفتيا بما يلزمه وهذا منه ما يجب ومنه ما يستحب بحسب حالات الحاكى لذلك والمحكى عنه فإن كان القائل لذلك ممن تصدى لأن يؤخذ عنه العلم أو رواية الحديث أو يقطع بحكمه أو شهادته أو فتياه في الحقوق وجب على سامعه الإشادة بما سمع منه والتنفير للناس عنه والشهادة عليه بما قاله ووجب على من بلغه ذلك من أئمة المسلمين إنكاره وبيان كفره وفساد قوله بقطع ضرره عن المسلمين وقياما بحق سيد المرسلين وكذلك إن كان ممن يعظ العامة أو يؤدب الصبيان فإن من هذه سريرته لا يؤمن على إلقاء ذلك في قلوبهم فيتأكد في هؤلاء الإيجاب لحق النبي صلى الله عليه وسلم ولحق شريعته

(2/244)


--------------------------------------------------------------------------------

وإن لم يكن القائل بهذه السبيل فالقيام بحق النبي صلى الله عليه وسلم واجب وحماية عرضه متعين ونصرته على الأذى حيا وميتا مستحق على كل مؤمن لكنه إذا قام بهذا من ظهر به الحق وفصلت به القضية وبان به الأمر سقط عن الباقي الفرض وبقى الاستحباب في تكثير الشهادة عليه وعضد التحذير منه وقد أجمع السلف على بيان حال المتهم في الحديث فكيف بمثل هذا وقد سئل أبو محمد بن أبى زيد عن الشاهد يسمع مثل هذا في حق الله تعالى أيسعه أن لا يؤدى شهادته قال: إن رجا نفاذ الحكم بشهادته فليشهد وكذلك إن علم أن الحاكم لا يرى القتل بما شهد به ويرى الاستتابة والأدب فليشهد ويلزمه ذلك وأما الإباحة لحكاية قوله لغير هذين المقصدين فلا أرى لها مدخلا في هذا الباب فليس التفكه بعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم والتمضمض بسوء ذكره لأحد لا ذاكرا ولا آثرا لغير غرض شرعى بمباح وأما للأغراض المتقدمة فمتردد بين الإيجاب والاستحباب وقد حكى الله تعالى مقالات المفترين عليه وعلى رسله في كتابه على وجه الإنكار لقولهم والتحذير من كفرهم والوعيد عليه والرد عليهم بما تلاه الله علينا في محكم كتابه وكذلك وقع من أمثاله في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة على الوجوه المتقدمة وأجمع السلف والخلف من أئمة الهدى على حكايات مقالات الكفرة والملحدين في كتبهم ومجالسهم ليبينوها للناس وينقضوا شبهها عليهم وإن كان ورد

(2/245)


--------------------------------------------------------------------------------

لأحمد بن حنبل إنكار لبعض هذا على الحارث بن أسد فقد صنع أحمد مثله في رده على الجهمية والقائلين بالمخلوق وهذه الوجوه الشائعة الحكاية عنها فأما ذكرها على غير هذا من حكاية سبه والإزراء بمنصبه على وجه الحكايات والأسمار والطرف وأحاديث الناس ومقالاتهم في الغث والسمير ومضاحك المجان ونوادر السخفاء والخوض في قيل وقال ومالا يعنى فكل هذا ممنوع وبعضه أشد في المنع والعقوبة من بعض فما كان من قائله الحاكى له على غير قصد أو معرفة بمقدار ما حكاه أو لم تكن عادته أو لم يكن الكلام من البشاعة حيث هو ولم يظهر على حاكيه استحسانه واستصوابه زجر عن ذلك ونهى عن العودة إليه وإن قوم ببعض الأدب فهو مستوجب له وإن كان لفظه من البشاعة حيث هو كان الأدب أشد، وقد حكى أن رجلا سأل مالكا عمن يقول القرآن مخلوق فقال مالك كافر فاقتلوه فقال إنما حكيته عن غيرى فقال مالك إنما سمعناه منك وهذا من مالك رحمه الله على طريق الزجر والتغليظ بدليل أنه لم ينفذ قتله وإن اتهم هذا الحاكى فيما حكاه أنه اختلقه ونسبه إلى غيره أو كانت تلك عادة له أو ظهر استحسانه لذلك أو كان مولعا بمثله والاستخفاف له أو التحفظ لمثله وطلبه ورواية أشعار هجوه صلى الله
__________
(قوله على الجهمية) هم أتباع جهم بن صفوان أبى محرز السمرقندى هلك في زمان صغار التابعين أعنى من رأى من الصحابة واحدا أو اثنين (قوله والطرف) بضم الطاء المهملة جمع طرفة (*)

(2/246)


--------------------------------------------------------------------------------

عليه وسلم وسبه فحكم هذا حكم الساب نفسه يؤاخذ بقوله ولا تنفعه نسبته إلى غيره فيبادر بقتله ويعجآ إلى الهاوية أمه وقد قال أبو عبيد القاسم بن سلام فيمن حفظ شطر بيت مما هجى به النبي صلى الله عليه وسلم فهو كفر وقد ذكر بعض من ألف في الإجماع إجماع المسلمين على تحريم رواية ما هجى به النبي صلى الله عليه وسلم وكتابته وقراءته وتركه متى وجد دون محو ورحم الله أسلافنا المتقين المتحرزين لدينهم فقد أسقطوا من أحاديث المغازى والسير ما كان هذا سبيله وتركوا روايته إلا أشياء ذكروها يسيرة وغير مستبشعة على نحو الوجوه الأول ليروا نقمة الله من قائلها وأخذه المفترى عليه بذنبه وهذا أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله قد تحرى فيما اضطر إلى الاستشهاد به من أهاجي أشعار العرب في كتبه فكنى عن اسم المهجو بوزن اسمه استبراء لدينه وتحفظا من المشاركة في ذم أحد بروايته أو نشره فكيف بما يتطرق إلى عرض سيد البشر صلى الله عليه وسلم
فصل الوجه السابع أن يذكر ما يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم أو يختلف في جوازه عليه وما يطرأ من الأمور البشرية به ويمكن إضافتها إليه أو يذكر ما امتحن به وصبر في ذات الله على شدته من مقاساة أعدائه وأذاهم له ومعرفة ابتداء حاله وسيرته وما لقيه من بؤس

(2/247)


--------------------------------------------------------------------------------

زمنه ومر عليه من معاياة عيشته كل ذلك على طريق الرواية ومذاكرة العلم ومعرفة ما صحت منه العصمة للأنبياء وما يجوز عليهم فهذا فن خارج عن هذه الفنون الستة إذ ليس فيه غمص ولا نقص ولا إزراء ولا استخفاف
لا في ظاهر اللفظ ولا في مقصد اللافظ لكن يجب أن يكون الكلام فيه مع أهل العلم وفهماء طلبة الدين ممن يفهم مقاصده ويحققون فوائده ويجنب ذلك من عساه لا يفقه أو يخشى به فتنته فقد كره بعض السلف تلعيم النساء سورة يوسف لما انطوت عليه من تلك القصص لضعف معرفتهن ونقص عقولهن وإدراكهن فقد قال صلى الله عليه وسلم مخبرا عن نفسه باستيجاره لرعاية الغنم في ابتداء حاله وقال (ما من نبى إلا وقد رعى الغنم) وأخبرنا الله تعالى بذلك عن موسى عليه السلام وهذا لا غضاضة فيه جملة واحدة لمن ذكره على وجهه بخلاف من قصد به الغضاضة والتحقير بل كانت عادة جميع العرب، نعم في ذلك للأنبياء حكمة بالغة وتدريج لله تعالى لهم إلى كرامته وتدريب برعايتها لسياسة أممهم من خليقته بما سبق لهم من الكرامة في الأزل ومتقدم العلم وكذلك قد ذكر الله يتمه وعيلته على طريق المنة عليه والتعريف بكرامته له فذكر الذاكر لها على وجه تعريف حاله والخبر عن مبتدئه والتعجب من منح الله قبله وعظيم منته عنده ليس فيه غضاضة بل فيه
__________
(قوله وفهماء) بضم الفاء والمد (*)

(2/248)


--------------------------------------------------------------------------------

دلالة على نبوته وصحة دعوته إذ أظهره الله تعالى بعد هذا على صناديد العرب ومن ناوأه من أشرافهم شيئا فشيئا ونمى أمره حتى قهرهم وتمكن من ملك مقاليدهم واستباحة مما لك كثير من الأمم غيرهم بإظهار الله تعالى له وتأييده بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم وإمداده بالملائكة المسومين ولو كان ابن ملك أو ذا أشياع متقدمين لحسب كثير من
الجهال أن ذلك موجب ظهوره ومقتضى علوه ولهذا قال هرقل حين سأل أبا سفيان عنه هل في آبائه من ملك ؟ ثم قال: ولو كان في آبائه ملك لقلنا رجل يطلب ملك أبيه وإذا اليتم من صفته وإحدى علاماته في الكتب المتقدمة وأخبار الأمم السالفة وكذا وقع ذكره في كتاب أرمياء وبهذا وصفه ابن ذى يزن لعبد المطلب وبحيرا لأبى طالب وكذلك إذا وصف بأنه أمي كما وصفه الله فهى مدحة له وفضيلة ثابتة فيه وقاعدة معجزته إذ معجزته العظمى من القرآن العظيم إنما هي متعلقة بطريق المعارف والعلوم مع ما منح صلى الله عليه وسلم وفضل به من ذلك كما قدمناه في القسم الأول ووجود مثل ذلك من رجل لم يقرأ ولم يكتب ولم يدارس ولا لقن مقتضى العجب ومنتهى العبر ومعجزة البشر وليس في ذلك نقيصة إذ المطلوب من الكتابة والقراءة المعرفة وإنما هي آلة.
__________
(قوله على صناديد) جمع صنديد وهو الشجاع السيد (قوله ونمى) بتشديد الميم (قوله في كتاب أرميا) بفتح الهمزة وسكون الراء وكسر الميم والقصر (قوله وليس فيه ذلك نقيصة) الضمير المجرور بفى عائد إلى الرجل في قوله ووجود مثل ذلك من رجل والإشارة بذلك راجعة إلى ما أشير إليه بذلك (*)

(2/249)


--------------------------------------------------------------------------------

لها وواسطة موصلة إليها غير مرادة في نفسها فإذا حصلت الثمرة والمطلوب استغنى عن الواسطة والسبب، والأمية في غيره نقيصة لأنها سبب الجهالة وعنوان الغباوة فسبحان من باين أمره من أمر غيره وجعل شرفه فيما فيه محطة سواه وحياته فيما فيه هلاك من عداه هذا شق قلبه وإخراج حشوته كان تمام حياته وغاية قوة نفسه وثبات روعه وهو فيمن سواه منتهى هلاكه وحتم موته وفنائه وهلم جرا إلى سائر ما روى من أخباره وسيره وتقلله من الدنيا ومن الملبس
والمطعم والمركب وتواضعه ومهنته نفسه في أمور وخدمة بيته زهدا ورغبة عن الدنيا وتسوية بين حقيرها وخطيرها لسرعة فناء أمورها وتقلب أحوالها كل هذا من فضائله ومآثره وشرفه كما ذكرناه فمن أورد شيئا منها مورده وقصد بها مقصده كان حسنا ومن أورد ذلك على غير وجهه وعلم منه بذلك سوء قصده لحق بالفصول التى قدمناه وكذلك ما ورد من أخباره وأخبار سائر الأنبياء عليهم السلام في الأحاديث مما في ظاهره إشكال يقتضى أمورا لا تليق بهم بحال وتحتاج إلى تأويل
__________
(قوله وإخراج حشوته) الحشوة بكسر الحاء المهملة وضمها وبالشين المعجمة الأمعاء (قوله روعه) بضم الراء وفى آخره هاء الضمير أي قلبه - قوله وحتم موته) بفتح الحاء المهملة وسكون التاء الفوقية (قوله مهنته) بفتح الميم وحكى الكسائي كسرها وأنكره الأسمعي (قوله ومآثره) أي مكارمه ومفاخره التى تؤثر عنه (*)

(2/250)


--------------------------------------------------------------------------------

وتردد احتمال فلا يجب أن يتحدث منها إلا بالصحيح ولا يروى منها إلا المعلوم الثابت ورحم الله مالكا فلقد كره التحدث بمثل ذلك من الأحاديث الموهمة للتشبيه والمشكلة المعنى وقال: ما يدعو الناس إلى التحدث بمثل هذا فقيل له إن ابن عجلان يحدث بها فقال لم يكن من الفقهاء وليت الناس وافقوه على ترك الحديث بها وساعدوه على طيها فأكثرها ليس تحتع عمل وقد حكى عن جماعة من السلف بل عنهم على الجملة أنهم كانوا يكرهون الكلام فيما ليس تحته عمل والنبى صلى الله عليه وسلم أوردها على قوم عرب يفهمون كلام العرب على وجهه وتصرفاتهم في حقيقته ومجازه واستعارته وبليغه وإيجازه فلم تكن في حقهم مشكلة ثم جاء من غلبت عليه العجمة وداخلته الأمية فلا يكاد يفهم من مقاصد
العرب إلا نصها وصريحها ولا يتحقق إشاراتها إلى غرض الإيجاز ووحيها وتبليغها وتلويحها فتفرقوا في تأويلها أو حملها على ظاهرها شذر مذر فمنهم من آمن به ومنهم من كفر فأما ما لا يصح من هذه الأحاديث فواجب أن لا يذكر منها شئ في حق الله ولا في حق أنبيائه ولا يتحدث بها ولا يتكلف الكلام على معانيها، والصواب طرحها وترك الشغل بها إلا أن تذكر على وجه التعريف بأنها ضعيفة المقاد واهية الإسناد وقد أنكر الأشياخ على أبى بكر بن فورك تكلفه في مشكله الكلام على أحاديث ضعيفة
__________
(قوله شذر مذر) بكسر الشين المعجمة والميم وبفتحهما في الصحاح تفرقوا شذر مذر بالتحريك والنصب وشذر مذر بالكسر إذا ذهبوا في كل وجه (*)

(2/251)


--------------------------------------------------------------------------------

موضوعة لا أصل لها أو منقولة عن أهل الكتاب الذين يلبسون الحق بالباطل كان يكفيه طرحها ويعنيه عن الكلام عليها التنبيه على ضعفها إذ المقصود بالكلام على مشكل ما فيها إزالة اللبس بها واجتثاثها من أصلها وطرحها أكشف اللبس وأشفى للنفس
فصل ومما يجب على المتكلم فيما يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم وما لا يجوز والذاكر من حالاته ما قدمناه في الفصل قبل هذا على طريق المذاكرة والتعليم أن يلتزم في كلامه عند ذكره صلى الله عليه وسلم وذكر تلك الأحوال الواجب من توقيره وتعظيمه ويراقب حال لسانه ولا يهمله وتظهر عليه علامات الأدب عند ذكره فإذا ذكر ما قاساه من الشدائد ظهر عليه الإشفاق والارتماض والغيظ على عدوه ومودة الفداء للنبى صلى الله عليه وسلم لو قدر عليه والنصرة لو أمكنته وإذا أخذ في أبواب العصمة وتكلم على مجارى أعماله وأقواله صلى الله عليه وسلم
تحرى أحسن اللفظ وأدب العبارة ما أمكنه واجتنب بشيع ذلك وهجر من العبارة ما يقبح كلفظة الجهل والكذب والمعصية فإذا تكلم في الأقوال قال هل يجوز عليه الخلف في القول والإخبار بخلاف ما وقع سهوا
__________
(قوله يلبسون) بكسر الموحدة أي يخلطون (قوله والارتماض) بالضاد المعجمة يقال ارتمض الرجل من كذا أي اشتد قلقه (قوله تحرى) بالحاء المهملة أي توخى وقصد (*)

(2/252)


--------------------------------------------------------------------------------

أو غلطا ونحوه من العبارة ويتجنب لفظة الكذب جملة واحدة وإذا تكلم على العلم قال هل يجوز أن لا يعلم إلا ما علم وهل يمكن أن لا يكون عنده علم من بعض الأشياء حتى يوحى إليه ولا يقول بجهل لقبح اللفظ وبشاعته وإذا تكلم في الأفعال قال هل يجوز منه المخالفة في بعض الأوامر والنواهي ومواقعة الصغائر فهو أولى وآدب من قوله هل يجوز أن يعصى أو يذنب أو يفعل كذا وكذا من أنواع المعاصي فهذا من حق توقيره صلى الله عليه وسلم وما يجب له من تعزيز وإعظام وقد رأيت بعض العلماء لم يتحفظ من هذا فقبح منه.
ولم استصوب عبارته فيه ووجدت بعض الجائرين قوله لأجل ترك تحفظه في العبارة ما لم يقله وشنع عليه بما يأباه ويكفر قائله وإذا كان مثل هذا بين الناس مستعملا في آدابهم وحسن معاشرتهم وخطابهم فاستعماله في حقه صلى الله عليه وسلم أوجب والتزامة آكد فجودة العبارة تقبح الشئ أو تحسنه وتحريرها وتهذيبا يعظم الأمر أو يهونه ولهذا قال صلى الله عليه وسلم إن من البيان لسحرا فأما ما أورده على جهة النفى عنه والتنزيه فلا حرج في تسريح العبارة وتصريها فيه كقوله لا يجوز عليه الكذب جملة ولا
__________
(قوله إن من البيان لسحرا) قال ابن قرقول قيل أورده مورد
الذم لشبهة بعمل السحر في قلب القلوب وجلب الأفئدة وتزيين القبيح وتقبيح الحسن وقيل أورده مورد المدح أي يترضى به الساخط ويستزل به الصعب ولذلك قالوا فيه السحر الحلال ويشهد له (إن من الشعر لحكمة) الحديث (*)


شاركنا رايك عبر الفيس بوك

بهاء الالوسي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-29-2012, 04:06 AM   #2
فراج يعقوب
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jul 2011
المشاركات: 845
معدل تقييم المستوى: 7
فراج يعقوب is on a distinguished road
افتراضي Re: تصرف وجوه الأحكام فيمن تنقصه أو سبه عليه الصلاة والسلام3

جزاك الله خيرا وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
__________________
اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي الحبيب العالي القدر العظيم الجاه وعلى آله وسلم
فراج يعقوب غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-02-2012, 02:02 AM   #3
بهاء الالوسي
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Jul 2011
المشاركات: 498
معدل تقييم المستوى: 6
بهاء الالوسي is on a distinguished road
افتراضي Re: تصرف وجوه الأحكام فيمن تنقصه أو سبه عليه الصلاة والسلام3

اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين مشكوووووور والله يعطيك الف عافيه
بهاء الالوسي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
تصرف وجوه الأحكام فيمن تنقصه أو سبه عليه الصلاة والسلام2 بهاء الالوسي المعجزات النبوية 0 07-27-2012 03:36 PM
تصرف وجوه الأحكام فيمن تنقصه أو سبه عليه الصلاة والسلام1 بهاء الالوسي المعجزات النبوية 0 07-27-2012 03:34 PM
ثمرات الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام سلطان الرفاعي خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم 1 10-21-2011 02:56 PM
وصف الحبيب عليه الصلاة والسلام أمل المدينة النبوية خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم 1 12-20-2009 10:12 AM
بلاغته عليه الصلاة والسلام أمل المدينة النبوية خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم 0 12-20-2009 09:48 AM

Facebook Comments by: ABDU_GO - شركة الإبداع الرقمية