إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-15-2015, 09:44 PM   #1
بهاء الالوسي
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Jul 2011
المشاركات: 498
معدل تقييم المستوى: 7
بهاء الالوسي is on a distinguished road
افتراضي الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام1 -فصل في الإسراء والمعراج

الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام

ذكر الإسراء والمعراج
قال ابن هشام: حدثنا زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي قال ثم أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، وهو بيت المقدس من إيلياء ، وقد فشا الإسلام بمكة في قريش، وفي القبائل كلها.
__________
شرح ما في حديث الإسراء من المشكل:
اتفقت الرواة على تسميته إسراء ولم يسمه أحد منهم سرى، وإن كان أهل

(3/251)


--------------------------------------------------------------------------------

قال ابن إسحاق: كان من الحديث فيما بلغني عن مسراه - صلى الله عليه وسلم - عن عبد الله بن مسعود، وأبي سعيد الخدري وعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ومعاوية بن أبي سفيان، والحسن بن أبي الحسن البصري، وابن شهاب الزهري، وقتادة وغيرهم من أهل العلم وأم هانئ بنت أبي طالب، ما اجتمع في هذا الحديث كل يحدث عنه بعض ما ذكر من أمره حين أسري به - صلى الله عليه وسلم - وكان في مسراه وما ذكر عنه بلاء وتمحيص وأمر من أمر الله في قدرته وسلطانه فيه عبرة لأولي الألباب وهدى ورحمة وثبات لمن آمن وصدق وكان من أمر الله سبحانه وتعالى على يقين فأسري به كيف شاء ليريه من آياته ما أراد حتى عاين ما عاين من أمره وسلطانه العظيم وقدرته التي يصنع بها ما يريد.
ـــــــ
اللغة قد قالوا: سرى وأسرى بمعنى واحد فدل على أن أهل اللغة لم يحققوا العبارة وذلك أن القراء لم يختلفوا في التلاوة من قوله {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الاسراء:1] ولم يقل سرى، وقال {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} [الفجر:4] ولم يقل يسري، فدل على أن السرى من سريت إذا سرت ليلا، وهي مؤنثة تقول طالت سراك الليلة والإسراء متعد في المعنى، ولكن حذف مفعوله كثيرا حتى ظن أهل اللغة أنهما بمعنى واحد لما رأوهما غير متعديين إلى مفعول في اللفظ وإنما أسرى بعبده أي جعل البراق يسري، كما تقول أمضيته، أي جعلته يمضي، لكن كثر حذف المفعول لقوة الدلالة عليه أو للاستغناء عن ذكره إذ المقصود بالخبر ذكر محمد لا ذكر الدابة التي سارت به وجاز في قصة لوط عليه السلام. أن يقال له {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ} [هود:81] أي فاسر بهم وأن يقرأ فأسر بأهلك بالقطع أي فأسر بهم ما يتحملون عليه من دابة أو نحوها، ولم يتصور ذلك في السرى بالنبي صلى الله عليه وسلم,

(3/252)


--------------------------------------------------------------------------------

راوية عبد الله ابن مسعود عن مسراه صلى الله عليه وسلم:
فكان عبد الله بن مسعود - فيما بلغني عنه - يقول أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبراق - وهي الدابة التي كانت تحمل عليها الأنبياء قبله تضع حافرها في منتهى طرفها - فحمل عليها، ثم خرج به صاحبه يرى الآيات فيما بين السماء والأرض حتى انتهى إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم الخليل وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء قد جمعوا له فصلى بهم. ثم أتي بثلاثة آنية إناء فيه لبن وإناء فيه خمر وإناء فيه ماء قال. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فسمعت قائلا يقول حين عرضت علي إن أخذ الماء غرق وغرقت أمته وإن أخذ الخمر غوى، وغوت أمته وإن أخذ اللبن هدي وهديت أمته. قال فأخذت إناء اللبن فشربت منه فقال لي جبريل عليه السلام: هديت وهديت أمتك يا محمد"
حديث الحسن عن مسراه صلى الله عليه وسلم:
قال ابن إسحاق: وحدثت عن الحسن أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بينا أنا نائم
ـــــــ
إذ لا يجوز أن يقال سرى بعبده بوجه من الوجوه فلذلك لم تأت التلاوة إلا بوجه واحد في هذه القصة فتدبره. وكذلك تسامح النحويون أيضا في الباء والهمزة وجعلوهما بمعنى واحد في حكم التعدية ولو كان ما قالوه أصلا لجاز في: أمرضته أن تقول مرضت به وفي أسقمته: أن تقول سقمت به وفي أعميته أن تقول عميت به قياسا علي أذهبته وأذهبت به ويأبى الله ذلك والعالمون فإنما الباء تعطي مع التعدية طرفا من المشاركة في الفعل ولا تعطيه الهمزة فإذا قلت: أقعدته، فمعناه جعلته يقعد ولكنك شاركته في القعود فجذبته بيدك إلى الأرض أو نحو ذلك فلا بد من طرف من المشاركة إذا قعدت به ودخلت به وذهبت به بخلاف أدخلته وأذهبته.
فإن قلت: فقد قال الله سبحانه {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} [البقرة:17] و"ذهب بسمعهم وأبصارهم" ويتعالى - سبحانه - عن أن يوصف بالذهاب أويضاف إليه

(3/253)


--------------------------------------------------------------------------------

في الحجر، إذ جاءني جبريل فهمزني بقدمه فجلست فلم أر شيئا، فعدت إلى مضجعي، فجاءني الثانية فهمزني بقدمه فجلست فلم أر شيئا، فعدت إلى مضجعي، فجاءني الثالثة فهمزني بقدمه فجلست، فأخذ بعضدي، فقمت معه فخرج إلى باب المسجد فإذا دابة أبيض، بين البغل - والحمار - في فخذيه جناحان يحفر بهما رجليه يضع يده في منتهى طرفه فحملني عليه ثم خرج معي لا يفوتني ولا أفوته"
حديث قتادة عن مسراه صلى الله عليه وسلم:
قال ابن إسحاق، وحدثت عن قتادة أنه قال حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لما دنوت منه لأركبه شمس فوضع جبريل يده على معرفته ثم قال ألا تستحي يا براق مما تصنع فوالله ما ركبك عبد لله قبل محمد أكرم على الله منه. قال فاستحيا حتى ارفض عرقا، ثم قر حتى ركبته"
عود إلى حديث الحسن عن مسراه صلى الله عليه وسلم وسبب تسمية أبي بكر: الصديق:
قال الحسن في حديثه فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومضى جبريل عليه السلام معه حتى انتهى به إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء <190> فأمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى بهم ثم أتي بإناءين في أحدهما: خمر وفي الآخر لبن. قال فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إناء اللبن فشرب منه وترك إناء الخمر. قال
__________
طرف منه وإنما معناه أذهب نورهم وسمعهم. قلنا: في الجواب عن هذا: أن النور والسمع والبصر كان بيده سبحانه وقد قال بيده الخير وهذا من الخير الذي بيده وإذا كان بيده فجائز أن يقال ذهب به على المعنى الذي يقتضيه قوله سبحانه بيده الخير كائنا ما كان ذلك المعنى، فعليه ينبني ذلك المعنى الآخر الذي في قوله: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} مجازا كان أو حقيقة ألا ترى أنه لما ذكر الرجس كيف قال: { لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ} [الأحزاب: 33]. ولم يقل يذهب به وكذلك قال: {وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ} [الأنفال 11] تعليقا لعباده حسن الأدب معه حتى لا يضاف إلى

(3/254)


--------------------------------------------------------------------------------

فقال له جبريل هديت للفطرة وهديت أمتك يا محمد وحرمت عليكم الخمر ثم انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة ، فلما أصبح غدا على قريش، فأخبرهم الخبر. فقال أكثر الناس هذا والله الأمر البين والله إن العير لتطرد شهرا من مكة إلى الشام مدبرة وشهرا مقبلة أفيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة قال فارتد كثير ممن كان أسلم، وذهب الناس إلى أبي بكر فقالوا له هل لك يا أبا بكر في صاحبك، يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس، وصلى فيه ورجع إلى مكة . قال فقال لهم أبو بكر إنكم تكذبون عليه فقالوا: بلى، ها هو ذاك في المسجد يحدث به الناس فقال أبو بكر والله لئن كان قاله لقد صدق فما يعجبكم من ذلك ؟ فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه فهذا أبعد مما تعجبون منه ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا نبي الله. أحدثت هؤلاء القوم أنك أتيت المقدس هذه الليلة ؟ قال "نعم"، قال يا نبي الله فصفه لي، فإني قد جئته - قال الحسن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فرفع لي حتى نظرت إليه" - فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصفه لأبي بكر ويقول أبو بكر صدقت، أشهد أنك رسول الله كلما وصف له منه شيئا، قال صدقت، أشهد أنك رسول الله حتى انتهى، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر "وأنت يا أبا بكر
ـــــــ
القدوس سبحانه - لفظا ومعنى شيء من الأرجاس وإن كانت خلقا له وملكا فلا يقال هي بيده على الخصوص تحسينا للعبارة وتنزيها له وفي مثل النور والسمع والبصر يحسن أن يقال هي بيده فحسن على هذا أن يقال: ذهب به وأما أسرى بعبده فإن دخول الباء فيه ليس من هذا القبيل فإنه فعل يتعدى إلى مفعول وذلك المفعول المسرى هو الذي سرى بالعبد فشاركه بالسرى، كما قدمنا في قعدت به أنه يعطى المشاركة في الفعل أو في طرف منه فتأمله.

(3/255)


--------------------------------------------------------------------------------

الصديق" فيومئذ سماه الصديق
قال الحسن وأنزل الله تعالى فيمن ارتد عن إسلامه لذلك {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً} [الإسراء 60].
فهذا حديث الحسن عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما دخل فيه من حديث قتادة
حديث عائشة عن مسراه صلى الله عليه وسلم:
<191> قال ابن إسحاق: وحدثني بعض آل أبي بكر: أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت تقول ما فقد جسد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن الله أسرى بروحه
ـــــــ
أكان الإسراء يقظة أم مناما:
فصل : وتقدم بين يدي الكلام في هذا الباب هل كان الإسراء في يقظة بجسده أو كان في نومه بروحه كما قال سبحانه {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر 43] وقد ذكر ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية أنها كانت رؤيا حق، وأن عائشة قالت لم تفقد بدنه وإنما عرج بروحه تلك الليلة ويحتج قائل هذا القول بقوله سبحانه {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} [الإسراء 60]. ولم يقل الرؤية وإنما يسمى رؤيا ما كان في النوم في عرف اللغة ويحتجون أيضا بحديث البخاري عن أنس بن مالك قال ليلة أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم أيهم هو ؟ فقال أوسطهم هو هذا، وهو خيرهم فقال آخرهم خذوا خيرهم فكان تلك الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى، فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه وكذلك الأنبياء عليهم السلام تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل. الحديث بطوله وقال في آخره واستيقظ وهو في المسجد الحرام، وهذا نص لا إشكال فيه أنها كانت رؤيا صادقة وقال أصحاب القول الثاني: قد تكون الرؤيا بمعنى الرؤية في

(3/256)


--------------------------------------------------------------------------------

حديث معاوية عن مسراه صلى الله عليه وسلم:
قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أن معاوية بن أبي سفيان، كان إذا سئل عن مسرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال كانت رؤيا من الله تعالى صادقة
جواز أن يكون الإسراء رؤيا:
فلم ينكر ذلك من قولهما، لقول الحسن إن هذه الآية نزلت في ذلك قول الله تبارك وتعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} [الإسراء 60].
ـــــــ
اليقظة وأنشدوا للراعي يصف صائدا:
وكبر للرؤيا، وهش فؤاده ... وبشر قلبا كان جما بلابله
قالوا: وفي الآية بيان أنها كانت في اليقظة لأنه قال {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ} [الإسراء 60]. ولو كانت رؤيا نوم ما افتتن بها الناس حتى ارتد كثير ممن أسلم، وقال <192> الكفار: يزعم محمد أنه أتى بيت المقدس، ورجع إلى مكة ليلته والعير تطرد إليها شهرا مقبلة وشهرا مدبرة ولو كانت رؤيا نوم لم يستبعد أحد منهم هذا، فمعلوم أن النائم قد يرى نفسه في السماء وفي المشرق والمغرب فلا يستبعد منه ذلك واحتج هؤلاء أيضا بشربه الماء من الإناء الذي كان مغطى عند القوم ووجدوه حين أصبح لا ماء فيه وبإرشاده للذين ند بعيرهم حين أنفرهم حس الدابة وهو البراق حتى دلهم عليه فأخبر أهل مكة بأمارة ذلك حتى ذلك الغرارتين السوداء والبرقاء كما في هذا الكتاب وفي رواية يونس أنه وعد قريشا بقدوم العير التي أرشدهم إلى البعير وشرب إناءهم وأنهم سيقدمون ويخبرون بذلك فقالوا: يا محمد متى يقدمون ؟ فقال "يوم الأربعاء"، فلما كان ذلك

(3/257)


--------------------------------------------------------------------------------

ولقول الله <192> تعالى في الخبر عن إبراهيم عليه السلام إذ قال لابنه: {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} [الصافات 102]. ثم مضى على ذلك. فعرفت أن الوحي من الله يأتي الأنبياء أيقاظا ونياما.
قال ابن إسحاق: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - يقول "تنام عيناي وقلبي يقظان" والله أعلم أي ذلك كان قد جاءه وعاين فيه ما عاين من أمر الله على أي حاليه كان نائما، أو يقظان كل ذلك حق وصدق
ـــــــ
اليوم ولم يقدموا، حتى كربت الشمس أن تغرب فدعا الله فحبس الشمس حتى قدموا كما وصف قال ولم يحبس الشمس إلا له ذلك اليوم وليوشع بن نون وهذا كله لا يكون إلا يقظة وذهبت طائفة ثالثة منهم شيخنا القاضي أبو بكر [بن العربي] رحمه الله إلى تصديق المقالتين وتصحيح الحديثين وأن الإسراء كان مرتين إحداهما: كان في نومه وتوطئة له وتيسيرا عليه كما كان بدء نبوته الرؤيا الصادقة ليسهل عليه أمر النبوة فإنه عظيم تضعف عنه القوى البشرية وكذلك الإسراء سهله عليه بالرؤيا، لأن هوله عظيم فجاءه في اليقظة على توطئة وتقدمة رفقا من الله بعبده وتسهيلا عليه ورأيت المهلب في شرح البخاري قد حكى هذا القول عن طائفة من العلماء وأنهم قالوا: كان الإسراء مرتين مرة في نومه ومرة في يقظته ببدنه - صلى الله عليه وسلم -
قال المؤلف وهذا القول هو الذي يصح، وبه تتفق معاني الأخبار ألا ترى أنه قال في حديث أنس الذي قدمنا ذكره أتاه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه ومعلوم أن الإسراء كان بعد النبوة وحين فرضت الصلاة كما قدمنا في الجزء قبل هذا، وقيل

(3/258)


--------------------------------------------------------------------------------

.............................................
ـــــــ
كان قبل الهجرة بعام ولذلك قال في الحديث فارتد كثير ممن كان قد أسلم، ورواة الحديثين حفاظ فلا يستقيم الجمع بين الروايتين إلا أن يكون الإسراء مرتين وكذلك ذكر في حديث أنس أنه لقي إبراهيم في السماء السادسة وموسى في السابعة وفي أكثر الروايات الصحيحة أنه رأى إبراهيم عند البيت المعمور في السماء السابعة ولقي موسى في السادسة وفي رواية ابن إسحاق أتي بثلاثة آنية أحدها ماء فقال قائل إن أخذ الماء غرق وغرقت أمته وفي إحدى روايات البخاري في الجامع الصحيح أنه أتي بإناء فيه عسل ولم يذكر الماء والرواة أثبات ولا سبيل إلى تكذيب بعضهم ولا توهينهم فدل على صحة القول بأنه كان مرتين وعاد الاختلاف إلى أنه كان كله حقا، ولكن في حالتين ووقتين مع ما يشهد له من ظاهر القرآن فإن الله سبحانه يقول {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} ثم قال {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم 8 - 11] فهذا نحو ما وقع في حديث أنس من قوله فيما يراه قلبه وعينه نائمة والفؤاد هو القلب ثم قال {أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى} [النجم:12] ولم يقل ما قد رأى، فدل على أن ثم رؤية أخرى بعد هذه ثم قال {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم:13] أي في نزلة نزلها جبريل إليه مرة فرآه في صورته التي هو عليها {عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} [النجم: 14-16] قال يغشاها فراش من ذهب وفي رواية ينتثر منها الياقوت وثمرها مثل قلال هجر ثم قال {مَا زَاغَ الْبَصَرُ} [النجم:17] ولم يقل الفؤاد كما قال في التي قبل هذه فدل على أنها رؤية عين وبصر في النزلة الأخرى، ثم قال {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 18]

(3/259)


--------------------------------------------------------------------------------

..........................................
ـــــــ
وإذا كانت رؤية عين فهي من الآيات الكبرى، ومن أعظم البراهين والعبر، وصارت الرؤيا الأولى بالإضافة إلى الأخرى ليست من الكبر لأن ما يراه العبد في منامه دون ما يراه في يقظته لا محالة وكذلك قال في أكثر الأحاديث إنه رأى عند سدرة المنتهى نهرين ظاهرين ونهرين باطنين وأخبره جبريل أن الظاهرين النيل والفرات، وذكر في حديث أنس أنه رأى هذين النهرين في السماء الدنيا، وقال له الملك هما النيل والفرات، أصلهما وعنصرهما، فيحتمل أن يكون رأى في حال اليقظة منبعهما، ورأى في المرة الأولى النهرين دون أن يرى أصلهما والله أعلم. فقد جاء في تفسير قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ} [المؤمنون 18] أنهما النيل والفرات أنزلا من الجنة من أسفل درجة منها على جناح جبريل، فأودعهما بطون الجبال ثم إن الله سبحانه سيرفعهما، ويذهب بهما عند رفع القرآن وذهاب الإيمان فلا يبقى على الأرض خير، وذلك قوله تعالى: {وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} [المؤمنون 18] وفي حديث مسند ذكره النحاس في المعاني بأتم من هذا فاختصره ووقع في كتاب المعلم للمازري قول رابع في الجمع بين الأقوال قال كان الإسراء بجسده في اليقظة إلى بيت المقدس، فكانت رؤيا عين ثم أسري بروحه إلى فوق سبع سموات ولذلك شنع الكفار قوله وأتيت بيت المقدس في ليلتي هذه ولم يشنعوا قوله فيما سوى ذلك.
شماس البراق:
فصل : ومما يسأل عنه في هذا الحديث شماس البراق حين ركبه النبي - صلى الله عليه وسلم -

(3/260)

شاركنا رايك عبر الفيس بوك

بهاء الالوسي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
فصل في الإسراء والمعراج بهاء الالوسي خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم 0 05-15-2015 09:41 PM
الإسراء والمعراج وإعجازه العلمى السعيد شويل المجلس الإسلامي 3 09-03-2013 03:25 PM
ليلة الإسراء والمعراج علم المحبة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم 0 07-14-2010 07:35 PM
معجزة الإسراء والمعراج محمد الفضل خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم 2 07-08-2010 05:17 PM
كتاب الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام و معه السيرة النبوية لابن هشام أبو فاطمة الكتب والبرامج الرقمية 0 08-06-2009 05:36 PM

Facebook Comments by: ABDU_GO - شركة الإبداع الرقمية